//Put this in the section //Vbout Automation

كورونا العدو الخفي، أبعد المسافات بين الناس، وجمع الإنسانية..

طوني أبو روحانا – بيروت اوبزرفر

أيام تعبر ثقيلة، تسقط في فخ الوقت الضائع الباكي، وقد هزمه الوباء، أقعده حطام مشلول، أقصى حدوده شرفة منزل يطل على شوارع العدو الزاحف ولا تراه عين، ولا تسمعه أذن، خفي ملموس، ينقض، وفي الأنفاس يغتالك، عندما يُقاتلك القدر، وأنت مُتَفَرّج أعزل، لا تملك قدرة الدفاع عن نفسك، مكتوف اليدين، خَيارك الوحيد أن تختبئ، وملجأ تتقي فيه سيول السموم الجارفة، عالم من سواد ينتظرك وكأن الأرض تحولت الى نفق يجمع البشرية من دون أفق، وقوس محكمة من دون هوادة ولا رحمة، لحظات قاتمة ترسم مسار الأحداث ومصير الإنسانية، ومشهد هزيمة يمحو معه خرائط النفوذ، وكل ما سبق وسجلته موازين القوى من انتصارات، العالم تحت الحصار، مدن تبكي الأهل والأبناء والأحباء، تجمع تعداد أمواتها من بعيد، ومدن تراقب بهلع، ينهشها الرعب، تنتظر غدها، وما قد تحمل إليها الأيام الآتية، ما تشهده يغيّر نظرتك الى الحياة، وأنت تراها تتسلل زفرات بين لحظة وأخرى، تبدّل فلسفة نظرتك إليها وأنت ترى أمامك كل الأحلام تتحوّل كوابيس الواقع، وآلة حرب شرسة، لا إمكانية لمقاتلتها ولا محاكمتها، كل شيء، وما كنت تسعى لتحقيقه يندثر أمام حقيقة واحدة، وكأنك جثة تنتظر أن تُدفَن، جثة خائفة تحسب ثوانيها حتى إعلان حالة وفاتها.
صورة الكوكب سلبية متشائمة، حتى في خلفيتها لا تعكس أي استعداد لتفاؤل مرتقب..
كورونا يُهاجم، يضرب بقوة، الكل ينتظر الأسوأ، يستعد، إنما بما أمكن حتى الساعة، وما أمكن لا يكفي، ووسط معركة حياة او موت، أوطان تقطّعت أوصالها، تفككت مناطق معزولة، ضاعت بين حاضر ومأساة وتاريخ معالمها، وشعوب، وكأنها هاجرت ملامحها والوجوه، من دون أدنى شك، العالم اليوم، يربض فوق كارثة، ألله وحده أعلم بخواتيمها، وأي نهايات، وأرقام قد تحصد أرواح البشر.
في كل الأحوال، العالم بعد كورونا لن يبقى على ما كان حاله قبل، عالم يختلف بمسافات عن الماضي والحاضر، يدور في فلك غد قد لا يأتي، وإن خطّطت له وانتظرت قدومه، أولويات حُذِفَت، ما عادت موجودة على القائمة، وأولويات احتلت المكان والزمان، ترسم للمستقبل خارطة البقاء وتوقيت الرحيل، تخط آخر السطور على آخر صفحات أجندة عتيقة، لم تعد تطابق معايير الواقع المستجد، ووباء، وكأنه لايزال في بداياته، ومستمر الى ما لا نهاية، هذه ليست حقائق دقيقة، ولا ثابتة، إنما راهنة ومنظورة، معادلة قدر يعصف على مساحة الكون من دون استثناءات.
فجأة، أصبحت هذه الكرة المعجوقة بسكّانها، نفس السجن الذي يجمعهم على نظام واحد، بنفس المعايير ووفق إجراءات عابرة لكافة الحدود، لا تلتزم بعالم متقدم، ولا بعالم ثالث، ولا بعرق ولا بلون ولا بدين، لا تتوقف عند غني ولا فقير، لا صاحب سلطة، ولا مواطن عادي، لا قائد ولا عسكر، لا زعيم، ولا جمهور، عدالة واحدة يتساوى أمامها كل مَن يتنفس، عدالة الوباء والعدوى حيث كفّة الميزان لا ترجح لمصلحة أحد، وهي حالة نادرة قلّ نظيرها حيث اعتاد الناس على عدالة تحت قوس الأقوى، إيجابية/ سلبية ربما، تُوَحّد في الحكم بين الحق والباطل، بين الظالم والمظلوم، بين الصادق والدجّال، بين الجلاّد والضحية، بين القاتل والقتيل، هي المنظومة من أساسها تسأل كيف يكون العدل.
كورونا، زائر عابر مهما طال زمنه، أبعد المسافات بين الناس، إنما جمع الإنسانية..
تراه العالم يستخلص العبر بعده، يقرأ دروس المآسي كما يقرأ فرح العبور الى الحياة، بعدما طالت مراقبته لسماء متشحة بالإحتضار، ربما من المبكر أن نسأل، وربما من الأجدى أن نبدأ ونحن على قَيد التجربة فلطالما كنّا والنسيان عشذاق لحظة تنتهي التجارب.
حمى الله الناس أينما كانوا..




طوني ابو روحانا.