//Put this in the section

مذكرات «خوجة»: «ليس من يكتب بالحبر مثل من يكتب بدم القلب» «جبران» – عماد الدين أديب – الوطن

لدىّ عشق خاص فى قراءة المذكرات الشخصية لكبار الشخصيات العامة، ومتابعة الأسرار والتفاصيل الدقيقة، والشهادات التاريخية التى تصدر عنهم شريطة أن تكون حقيقية مسندة، غير متلونة.لا تعنينى مناصب صاحب الشهادة التاريخية، ولا المناصب الرفيعة التى تقلدها، ولا القنابل الإعلامية التى يفجرها بهذه المذكرات، بقدر ما يعنينى مدى صدق ما شهد به، إنه الرجل الذى ينطبق عليه مقولة بنيامين فرانكلين «إما أن تكتب شيئاً يستحق القراءة أو تفعل شيئاً يستحق الكتابة عنه».

والكتاب الذى سوف نتعرض له ولكاتبه له شرف «التجربة» فى الكتابة والفعل معاً!




ويزخر التاريخ بعيون الكتب التى يمكن اعتبارها شهادات أساسية وتأسيسية لفهم فصول جوهرية فى عصور متعددة نذكر منها:

مذكرات نيلسون مانديلا، «حياة قلم» لعباس محمود العقاد، «كنت رئيساً لمصر» للواء الرئيس محمد نجيب، «عصر العلم» د. أحمد زويل، «ماذا علمتنى الحياة» د. جلال أمين، «قصة سنغافورة» مذكرات لى كوان يو، «مذكرات فى الحرب والثورة» لأرنستو تشى جيفارا، «مذكرات الإمبراطورة فرح فهلوى»، قصة حياة كل من غاندى، ستيف جوبز، جابريل جارسيا ماركيز، كتاب «فن الحرب» لسون تزو.

يقول الكاتب العظيم «فرانز كافكا» إن الكتابة هى فتح لجرح عظيم، وهذا ما ينطبق على كل كاتب مبدع وكتاب صادق.

وأعظم الشهادات هى تلك التى تنشر فى حياة صاحبها، والأعظم من ذلك، أن تنشر فى حياة صاحبها وفى ظل حياة الذين تحدث عنهم، وأن تكون المصادر التى استشهد بها مازالت على قيد الحياة.

تعبنا من تلك الذكريات التى يروى شخص متوفى يستشهد بآخر متوفى بحضور 3 توفوا، حول معركة سياسية مع عدد متوفى بحضور شهود كلهم بين يدى الله!

وما فعله الوزير، الدبلوماسى، الشاعر السياسى، المفكر د. عبدالعزيز خوجة هو أنه قدم شهادة تاريخية لتجربته التى كتبها بنفسه فى حياته عن أشخاص مازالوا أحياء ونافذين ويستطيعون أن يصححوا كلامه إن أرادوا، بل يستطيعون أن يكون رد فعلهم عنيفاً مدوياً! ويكفى الرجل أن ذكر صراحة فى كتابه أنه صاحب دعم فكرة الجماعة الدولية الخاصة للحريرى!

د. عبدالعزيز خوجة، درس الكيمياء فى مصر وبريطانيا، ودرس فى جامعة مكة، وتقلد العديد من المناصب التنفيذية العامة، ثم شغل عدة مناصب دبلوماسية؛ سفيراً لبلاده فى تركيا والمغرب «مرتين» ولبنان، وكان أول سفير سعودى فى دولة روسيا الاتحادية حتى أصبح وزيراً للإعلام.

الأهمية الاستثنائية للدكتور خوجة ليست فى مناصبه ولكن فى «الأسلوب الاستثنائى» الذى أدى به الرجل مهامه بطريقة تجاوزت مهام الوظيفة مما عرّض حياته لأربع محاولات اغتيال على الأقل، والدخول فى مصادمات وصراعات خطرة.

شهادة تاريخية، فيها لمحات مختارة، تتميز بشجاعة نادرة، وجرأة استثنائية لرجل غادر منصبه العام فى نوفمبر 2014 أى منذ 6 سنوات فقط. ما توقفت عنده خصوصية إدارة الوزير، الدبلوماسى، السياسى، الشاعر لشئون سفارته فى بيروت فى قمة الصراع مع إيران وحزب الله ومع سخونة التحولات الداخلية فى سوريا.

نادراً ما تجد سياسياً يضع خطاً فاصلاً ما بين «الخلاف السياسى» و«العلاقة الإنسانية»، وهذا ما ظهر بقوة فى إدارة د. خوجة للكثير من علاقاته وملفاته وبالذات فى ملف علاقته السياسية والإنسانية مع سماحة السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبنانى.

فى هذا المجال كان د. خوجة يمثل سياسة بلاده، فهو سفير خادم الحرمين الشريفين فى لبنان، ويعبر عن التناقض الجوهرى فى الأفكار والمصالح بين الرياض وطهران والذى بدأ يشتعل على ساحتى لبنان وسوريا قبل أن ينتشر فى مواقع أخرى.

رغم ذلك قدم «خوجة» صيغة نادرة للغاية وهى معادلة «أدافع عن مصالح بلادى، وأدافع عنها وأختلف معك بشدة ولكن عقلى مفتوح للسماع لأفكارك ومبادراتك، ومشاعرى الإنسانية لا تخلط بين الخلاف السياسى وسمو العلاقة الإنسانية».

نجح د. خوجة فى أن يقنع أشد خصوم بلاده أنه رجل يستحق الاحترام الإنسانى والثقة فى مصداقيته الشخصية.

نجح «خوجة» أن يكون وجهاً شريفاً نزيهاً عفيفاً فى وسط مستنقع فيه مافيا روسية، وميليشيات وفساد وأحزاب مخترقة فى أصعب عواصم العالم مثل أنقرة وبيروت.

ونجح «خوجة» فى أن يكون نموذجاً فكرياً، وحالة إبداعية لسفير لا يعبر عن ثروة نفط ولكن ثراء فكر.

أهم ما فى د. عبدالعزيز خوجة ثروته الإنسانية، لذلك يصدق عليه قول الشاعر العراقى المبدع بدر شاكر السياب:

«إن فقد الإنسان معنى أن يكون فكيف يمكن أن يكون؟».

«التجربة» هى شهادة إنسان عظيم.

اسم الكتاب: التجربة

الكاتب: د. عبدالعزيز خوجة

عدد الصفحات: 270

الناشر: دار جداول