//Put this in the section

التصفيق يليق بالأيادي البيضاء – بقلم كاتيا سعد

وكيف لا نهلّل لهذا الإنسان وذاك الذي تبرّع للطاقم الطبي أو لعائلات محتاجة؟ وكيف لا نصفّق لجسم طبي توحّد في خدمة إنسان نادى بوجعه فلبّوا النداء؟ بالطبع سننحني أمام مبادرات مقدّسة أقل ما يُقال عنها أنها نجدة إنسان لأخيه الإنسان، من دون أن تسأل عن دين أو عرق أو توصية.
بالمقابل، كيف لا نخجل أمام طاقم سياسي يتباهى بالتبرّع بمدخوله الشهري؟ بالتأكيد هذا “الواجب” الذي جعلوا منه وكأنه عمل عظيم، لن يبيّض صفحتهم السوداء لدى المواطن اللبناني..

سأقول لكم الحقيقة التي لربّما غابت عنكم أو لا تعترفون بها.. لستم المتبرّعون الحقيقيون وإنما المواطن هو المتبرّع غير المباشر. كيف؟ لأنّ مالكم هو في الواقع ماله الذي “الله أعلم ما بقي منه وما تتطاير مع صفقاتكم المشبوهة”، هو ماله الذي لم يعد متاحاً له في المصرف إلاّ بالتقطير، هو ماله الذي من المفترض أنه سيساهم بتطوير المشاريع في البلد، تحسين معيشته، خلق فرض عمل، تأمين الضمان وغيرها من الأوهام التي تُقنع ضميركم النائم، ولكنها لا تشبع ذكاء اللبناني الذي يُدرك الواقع ولكن ليس بيده أيّ شيء.
ولماذا سأفرح بمبادرة النائب الياس بو صعب الذي صرّح “استأجرنا المستشفى اللبناني الكندي وسيتم العمل على تأهيله وصيانته ليكون جاهزاً لاستقبال مصابي “كورونا” (…) سنعمل مع وزارة الصحة لتأمين الكادر الطبي اللازم للمستشفى (…) الوقت ليس للمحاسبة إنما للعمل”. باختصار، إن اعتبر البعض ذلك إنجازاً، فالواقع بأنّ هذا واجبه بل ومسؤوليته وكل الطاقم السياسي.
وكيف لا أستغرب موقف مارسيل غانم، في إحدى حلقات برنامجه “صار الوقت”، عندما قال: “يروقو علينا شوي، في مشكلة كتير كبيرة ونوعية الطلبات غريبة عجيبة ومنها منطقية. إذا خايفين، يبقو بالمستشفيات”، الذي جاء في سياق ما قاله النائب نعمت إفرام بشأن الممرضات اللواتي تحتاج إلى منزل أو مكان سكن بالقرب من المستشفى، لأنهنّ يخفنَ العودة إلى منازلهنّ، وينقلنَ الفيروس في حال أُصِبنَ به إلى أولادهنّ وعائلاتهنّ. فلنسلّم جدلاً بأنها “سقطت منه سهواً”، ولكن نحن نتحدّث عن إعلامي يمارس مهنته منذ سنوات وليست المرة الأولى الذي يظهر على الشاشة كي يُصاب مثلاً بما يُعرف باسم “رَهبة الوقوف أمام الكاميرا”.




ولكن الخطأ وارد، وليست الحالة الوحيدة فها هي جويل بو يونس، مراسلة إحدى التلفزيونات اللبنانية، تقوم بالاستهزاء من مبادرة التصفيق للجسم الطبي، في تغريدة تقول فيها: ” فيي بس اسأل سؤال: شو بتفيد الزقفة للطاقم الطبي؟”. وفي تغريدة أخرى تقول: “(…) أنا اكتر شخص بيقدّر عمل الأطباء والممرضين (…) رأيي انو الزقفة بلا طعمة! وروحوا عملوا شي يفيدون! أو صلّولون أفضل من ألف زقفة على البلاكين”. بالتأكيد الجميع يذكرهم في صلاته، ولكن لا داعي للاستخفاف بمبادرة “الزقفة” التي هي تحية عالمية للكادر الطبي.

أما الزقفة “اللي بلا طعمة” هي تلك الأيدي التي تُصفّق لرجال السياسة وكلام  التمجيد بأعمالهم، في حين أنّ ما نلمسه في الواقع هو التقصير في التنفيذ أو حتى إعفاء المشروع من حقّه في إبصار النور.
كيف لا والتاريخ كان ليشهد أنه لو كنا اليوم في زمن الانتخابات، لكانوا:
أوّلاً، اتّصلوا بالمغتربين مراراً وتكراراً لحثّهم على الانتخاب.
ثانياً، سارعوا إلى بناء مستوصف في المناطق المحرومة أو تجهيز مستشفيات المناطق بما ينقصها من معدّات طبية.
ثالثاً، خلقوا فرص عمل بين ليلة وضحاها.
رابعاً، قدّموا لنا مشاريع “الأوهام” التي لطالما بقيت حبراً على ورق إلى أن زال الحبر مع مرور الوقت.

“والله ع بالي ارحمكن بس مش بإيدي”… فما اعتدتُ أن أرى واقعاً وأحيّد عنه. ما اعتدتُ أن أبني وهماً في زمن نحتاج فيه إلى واقع ملموس. ما اعتدتُ أن أحيك حروفي لتكون خدمةً لمن يدمّر أبناء الوطن. ما اعتدتُ أن أدعم ظالم على حساب المظلوم. وما اعتدتُ أن أشيد بفعل سياسي هو بالأصل واجب وطني.