//Put this in the section

تأمّلات كورونية في زمن الإستبعاد الإجتماعي وأسئلةٌ سبعة – بقلم توفيق الشعار

أن تكون وحيداً في منزلك الذي اخترته محجراً صحيّاً لك في زمن الكورونا، قد لا يعني مسألةً شاقةً لمن عاش فترات طويلة في نمطٍ شبيه على مدى أربعين عاماً من الغربة بعيداً عن الأهل والوطن.
أما من غريب المفارقات أن تتزامن عودتك للإستقرار في الوطن مع ظهور وباءٍ عالمي لم يشهد مثيله البشر منذ أيام الطاعون في القرن الرابع عشر. فإذا بك معتكفاً منزلك لا تزور ولا تُزار … وقد يصيبك الإحباط عندما تفكّر بأفراد أسرتك من زوجة وأبناء حيث شاءت الأقدار ان يكونوا في مواقع أخرى بعيداً عنك…
ولولا مكتبة عامرة وحديقة زاهرة يُخفًفان عنك ألم الوحدة لوجدت أن هذا الإستبعاد الإجتماعي الذي فرضته ظروف الوباء سبباً لوباءٍ من نوع آخر يضرب أعماق النفس ويفجّر أوتاد القلب …
ورغم ذلك فقد أتاح لي هذا النّمط الحياتي الجديد مساحةً فكرية واسعةً وخصبةً للتأمّل فيما إذا كانت الأوبئة والحروب والمجاعات من الأقدار الحتمية للبشرية التي تعاني من وهنٍ أخلاقي ومسلكي نتيجة عوامل كثيرة أسهمت في تركيبة البشر النفسية المفتقرة إلى الكمال.
وتراودني في هذه العزلة تساؤلات عدة:
١- هل صحيح أن المجاعات في هذا القرن الواحد والعشرين مجاعات طبيعية أم أنها مجاعات سياسية؟
٢- هل يعقل وفق إحصاءات المنظّمات العالمية أن يعاني الملايين في يومنا هذا من انعدام الأمن الغذائي في زمن المحاصيل الزراعية الفائضة ومزارع الإنتاج الحيواني الهائلة ومصانع المنتجات الغذائية على أنواعها؟
٣- هل استوعب البشر تجربة وباء “الحمّى الإسبانية” في سنة ١٩١٨ التي أودت بحياة ١٠٠ مليون إنسان في أقل من سنة بينما كان عدد الذين قُتلوا في الحرب العالمية الأولى لا يتجاوز ٥٠ مليون إنسان؟
٤- هل صحيح أن وباء السيدا (الآيدز) لولا التقدم الطبي كان يمكن أن يقتل أضعاف أعداد البشر الذين قضوا بالطاعون في العصور الوسطى وقد ناهز عدد ضحاياه حينها ٢٠٠ مليون إنسان؟ إذ مقارنةً وبفضل التقدم العلمي والطبي اقتصر عدد وفيات السيدا على ٣٠ مليون إنسان…

بعد وباء السيدا الذي ظهرت أعراضه في ثمانينات القرن الماضي وبعد الإنتصار عليه نتيجة التطور العلمي الهائل في البحوث الدوائية والطب والتكنولوجيا، اعتقدنا أن الجنس البشري قد أصبح في مأمنٍ أو على الأقل في وضعٍ أقل خطورة من الأوبئة الفتّاكة. ولكن خلال سنواتٍ قليلة بدأنا نسمع بأوبئة جديدة/قديمة تهدّد الحياة البشرية مثل الإيبولا والسارس وصولاً الى الكورونا هذه الأيام.




وهنا يأتي السؤال الخامس:
هل مكّن التقدم العلمي المنتصر على الأوبئة، الإنسان نفسه لينتصر على مخاطر طبيعته البشرية بحد ذاتها؟
في الحقيقة إن العديد من النظريات التي تهيمن على منصّات التواصل الإجتماعي في عصر الإنترنت، تشير إلى إستمرارية تهديد الأوبئة لحياة البشرية ووجودها طالما أن البشر أنفسهم يخلقون تلك الأوبئة في مختبراتهم عن طريق خطأٍ بيولوجيٍ ما أو خدمةً لمآرب سياسية أو إقتصادية أو إرهابية …
فمن الواضح أن القوى القادرة على شنّ الحروب أصبحت أكثر ميلاً لإستخدام وسائل غير تقليدية في تحقيق أهدافها وأطماعها. إذ أن الحروب في عصر الإقتصاد المعرفي بدأت في الإنحسار لأن جدواها في العصور الإقتصادية المادية لا ينطبق على عصر العرفان الذي دخلنا أبوابه …
لقد أصبح قرار الحرب أمراً نادراً ومحصوراً في مناطق محددة من العالم مثل الشرق الأوسط وإفريقيا الوسطى حيث ما زالت إقتصاديات دُوَلها مادية الإرتكاز كالمناجم وآبار النفط والغاز وبعض المحاصيل الزراعية الإستراتيجية. هناك يمكن السيطرة على حقول النفط والغاز مثلاً عن طريق شنّ الحروب مباشرةً أو بالواسطة، ولكن لا يمكن السيطرة على إقتصاديات معرفية بهذه الطريقة.
إذن المجاعات إلى نهاية والأوبئة تحت السيطرة (إلا إذا أُطلقت بفعل البشر) والحروب إلى انحسار … فالإنسان يتّجه إلى امتلاك قوى جديدة هائلة في كل مجالات العلوم والتكنولوجيا مما سيغيّر نمط الحياة الذي اعتدنا عليه كليّاً.

وهنا يأتي السؤال السادس:
ما سيكون دور السلالة البشرية وخصوصاً أصحاب القرار في كل الميادين الفكرية والعلمية والدينية والسياسية …الخ مع ولوجنا رحاب الإقتصاد العرفاني؟
يقال ان النجاح يُذكي شعلة الطموح، فهذا الكائن البشري الذي تشير الأديان إلى ان الكون خُلق لأجله كي يعرفَ خالقه، قد توصّل عبر العصور إلى ان يلامس حدوداً لم تخطر على بال … السعي وراء الشباب الدائم والسعادة الحقيقية.
لقد خلصت نتائج دراسة حديثة للمعهد الهولندي لاختصاصات التركيبة السكانية إلى ان معدّل عمر الإنسان إلى تزايد وسوف يصل معدّل الأعمار إلى ١٢٥ سنة في حدود سنة ٢٠٧٠ ميلادية…

وهنا يأتي السؤال السابع والأخير:
هل تفاجئنا الأيام القادمة بإعلان الإنتصار على كل الأوبئة والأمراض ووأد أسباب الحروب وتكريس العلوم والتكنولوجيا لتحقيق السعادة وإطالة الأعمار؟

الجواب في “أدب الحياة” …

توفيق الشعار
عيناب ٣١ آذار ٢٠٢٠