//Put this in the section
علي حمادة - النهار

الموت بالكورونا أو الموت جوعاً – علي حماده – النهار

بداية لا بد من التطرق الى ما حصل ليل الاحد – الاثنين الماضي، عندما خرج مئات الآلاف من اللبنانيين الى شرفاتهم ليصفقوا إجلالا للجسم الطبي اللبناني الذي يقوم بجهود جبارة في مواجهة وباء الكورونا، ولا سيما الجسم الطبي في القطاع الاستشفائي العام، وفي الطليعة العاملون في “مستشفى رفيق الحريري الجامعي” الذين حملوا وما زالوا يحملون معظم الثقل الكبير، فيما لا نزال نسمع ان مستشفيات خاصة تمتنع لاسباب مالية تتعلق بالتغطية الاستشفائية الخاصة (شركات الضمان) عن استقبال مرضى! ففي الوقت الذي كان لبنان من أقصاه الى أقصاه يصفق للجسم الطبي، أطباء وممرضين وموظفين وعاملين، للاعراب عن شكر الأمة لهم، كان افراد من شريحة لبنانية يتظاهرون في الطرق مطلقين شعارات مذهبية، حزبية، متحدّين قرار منع التجول، لا بل كانوا يتحدّون باقي أبناء البلد، وكأنهم اعتبروا ان التصفيق للجسم الطبي ينال من مكانتهم، أو من مكانة حزبهم الطائفي الفاشيستي الذي كان ولا يزال يرفض ان ينظر الى لبنان وطناً يتساوى فيه الجميع تحت جناح القانون والدولة. وهذه إشارة جديدة الى استحالة التعايش بين مشروع الدولة، ومشروع الحزب المسلح المحتكم الى السلاح في مواجهة اهل البلد من جميع الملل. ولكي لا نكون غير منصفين، ليس كل من خرج في التظاهرات التي عمّت منطقة معيّنة محسوبة على السلاح غير الشرعي بدافع تحدي بقية المكونات المشاركة في التصفيق للجسم الطبي، وانما خرج آخرون في مسيرات احتجاجية على سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، خصوصا ان ازمة وباء الكورونا والإجراءات التي اتُّخذت للحد من انتشاره، وقد سبقتها الازمة السياسية – المالية – الاقتصادية التي عصفت بلبنان منذ انطلاق “ثورة 17 تشرين”، أدت في ما أدت الى انهيار شامل على مختلف المستويات، فدخل لبنان ازمة الكورونا وهو في أسوأ احواله، والدولة مفلسة، ومعها كل القطاعات الاقتصادية، وفي المقدمة القطاع المصرفي، فزادت الأمور سوءا حتى بات اللبناني يرى نفسه امام خيارين: الموت بالكورونا أو الموت جوعاً!

هذا هو خيار مئات الآلاف من اللبنانيين الذين طُلب اليهم ان يلزموا بيوتهم مخافة انتشار عدوى الكورونا. هؤلاء هم إما بلا بيوت يمكن تسميتها بيوتاً، وإما أنهم وصلوا الى القعر ماديا، الى حد انهم إن بقوا في منازلهم ولم يخرجوا لكسب الفتات ماتوا جوعاً، وماتت معهم عائلاتهم. كل هذا وسط عجز الدولة التام عن اطلاق برنامج مساعدات مالية اسوة بدول كثيرة قامت بذلك عبر العالم.




لن نلقي باللائمة على الحكومة الحالية، فهي ورثت بلدا مفلسا، كما انها ليست سيدة قرارها، لا بل انها بكل بساطة أداة بيد من شكَّلها ويتحكم بها على مرأى من الجميع. المشكلة اليوم التي نواجهها في لبنان تتلخص في كيفية موازنة الحاجة لحماية الناس من انتشار وباء الكورونا، بالتزامن مع إبقاء الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي قائما. وهنا المعضلة، خصوصا ان الدولة لا تملك فلسا واحدا في الخزينة تقدر على ضخه لحماية النشاط الاقتصادي. من هنا الاسئلة الكبيرة المطروحة حاليا: ماذا بعد الثاني عشر من نيسان عندما ينتهي الحجر، وماذا اذا مُدّد أكثر؟ كيف يمكن اللبنانيين ان يعيشوا من دون شبكة امان اقتصادية في حدها الأدنى؟ وماذا بعد ان تنتهي ازمة الكورونا؟ كيف سيخرج لبنان منها؟

أسئلة صعبة في زمن صعب. زمن اصبح فيه اللبناني امام خيارَي الموت دون غيرهما.