//Put this in the section

لهذه الدواعي أعلن بري ”مواجهة” دياب وأشهر الحرب على حكومته؟

ابراهيم بيرم – النهار

ليست المرة الأولى التي يشهر فيها رئيس مجلس النواب نبيه بري رغبته بالتصادم مع الحكومة الحالية ورئيسها حسان دياب، عندما وضعها بين خيارين أحلاهما ولا ريب بالغ المرارة، فإما أن تنزل عند مطلب رفعه قبل فترة وهو العمل على إعادة اللبنانيين المنتشرين في بلاد الاغتراب الذين تمتلكهم رعبة الأوبئة وإما أن ينزل هو من قطار هذه الحكومة، عبر سحب وزيريه فيها (المال والزراعة).




فليس خافيا أن سيد عين التينة من الأساس لم يحبذ حكومة التكنوقراط، وقد أفصح مرارا عن هذه الرغبة مشفوعا بإصراره على عودة الرئيس سعد الحريري الى ترؤس الحكومة مجددا رغم ما دار بينهما من مناكفات في مراحل مختلفة. فليس جديدا القول أن رئيس السلطة التشريعية يجد ميدانه الواسع في التعامل مع رئيس حكومة من قماشه السياسي.

ولاحقا، وبعد أن قضي الأمر وسمي دياب، بناء لتفاهمات عميقة لم تظهر نقاطها تماما الى العيان حتى الآن، سجل بري أول صدام له مع الرئيس المكلف آنذاك عندما رفض الوافد الجديد الى نادي رؤساء الحكومات أن يقيد نفسه بحكومة هجينة من التكنوقراط – سياسيين، وضمنا رفض فكرة عودة أحد الوزراء المفضلين لدى بري الى شغل منصب وزير المال، مما أخر كما صار معلوما استيلاد الحكومة بضعة أسابيع.

ولاحقا سرى تحليل فحواه أن بري يريد من كل ذلك تطويعا مبكرا للوافد سعيدا الى السرايا الحكومية، وافهمامه أنه لا يمكن لأحد تجاهل أهميته ودوره، وعندما بادر بري ببراعته المعهودة ومونته الشهيرة على البعض لاتمام انعقاد جلسة الثقة تحت قبة المجلس النيابي، متجاوزا عوائق وضعها “حلفاء” و”خصوم” على حد سواء، سرت قراءة فحواها أن بري قد نجح بهذا الفعل الاستثنائي يومذاك في أن يكبل دياب بهذا التجميل، ويرسخ لديه فكرة أنه لولاه ولولا مقاربته وتأثيره لما تمكن من بلوغ سدة الرئاسة الثالثة .

أسابيع تعد على أصابع اليد الواحدة، وبادر بري الى تظهير تباينات في وجهات النظر والأداء بينه وبين الرئيس دياب حيال ثلاثة ملفات أساسية فرضت نفسها بقوة أخيرا:

– سارع بري وعلى نحو فاجأ الجميع إلى وضع فيتو على مشروع “الكابيتال كونترول” الذي أوكل عليه وزير المال المحسوب عليه الدكتور غازي وزني مهمة وضعه كجزء من خطة النهوض الاقتصادي التي ينتظرها الجميع، مما اضطر الوزير عينه الى ابلاغ الحكومة تخليه نهائيا عن هذا المشروع.

– لاحقا أصر بري على مطالبة الحكومة باللجوء الى خيار حال الطوارئ وعدم الاكتفاء بحال التعبئة العامة الذي سبق للحكومة أن أقرته وشرعت فورا بالعمل على تطبيق مندرجاته.

ولاحقا عاد بري ليغض النظر عن هذا المطلب الذي رفع لواءه، وتاليا يعود ليعطي للحكومة شهادة “حسن سلوك” من خلال إشادته بتمديد العمل بنظام “التعبئة العامة” الذي أعطى مفعولا إيجابيا.

– “وثالثة الاثافي” تجسدت في الخلاف حول قضية الاعادة السريعة للبنانيين في الخارج عبر خطة محكمة، واستهلالا أبدى دياب والحكومة عموما عدم حماسة للتجاوب مع هذا المطلب ليعود لاحقا ويشهر من مستشفى رفيق الحريري الحكومي رفضه المضي به قدما به، بذريعة أن “القدرات الحكومية” لا تحتمل تنفيذ هذا المطلب الثقيل الذي تنوء تحت ثقله دول أقوى وأمتن.

عندئذ وزع اعلام بري بيانه الشهير معلنا ان السيل بلغ الزبى وأنه وخلال خمسة أيام ان لم تبادر الحكومة للسير في وضع خطة لإعادتهم، سيبادر هو الى الخيار المر وهو الانسحاب من الحكومة وتركها في مهب الرياح والاحتمالات الصعبة.

حينذاك أطلقت قيادة “حزب الله” المعنية بالملف الحكومي العنان لحركة الاتصالات تولاها حسين خليل، طبعت بطابع العجلة ، لا سيما انها جاءت قبل ساعات من اطلالة للسيد نصرالله، وهي لن تأخذ مداها وصداها اذا كانت الامور على هذا النحو من التعقيد.

وهكذا أفضت الاتصالات الى النتيجة المعلومة وهي تعهد الحكومة للاجتماع يوم غد الثلثاء لاقرار تفاصيل خطة الاعادة.

وعليه، حقق بري “انتصارا” سياسيا مدويا، بأن دياب وحكومته ظهرا من خلاله وكأنه الآمر الناهي الذي لا يرد له طلب، مما أخرج دياب خاسرا الى حد ما صورة نمطية أحب ان تترسخ عنه وهو أنه لا يلين ولا يتراجع. واستطرادا لن يصير “مادة طيعة” في يد القوى السياسية، انفاذا للتوجهات العريضة التي أعلنها عندما تصدى طائعا لهذه المهمة الشاقة.

وبعد ذلك سرى في الاوساط السياسية والاعلامية سؤال جوهره هل كان من الضروري ان تبلغ الامور هذا المبلغ من التصعيد والتأزيم، في لحظة يدرك الجميع استثنائيتها وحراجتها على كل الصعد، واستتباعا لماذا لم يكن ممكنا منذ البداية، تحاشي الوصول الى هذا المستوى من “الاهتزاز” السياسي، فيما البلاد من أقصاها الى اقصاها تهتز تحت وطأة جائحة الكورونا الفاعلة فعلها الأثيم، فضلا عن كم متراكم من أزمات موروثة؟

ثمة اجابات وتحليلات بدأت تطل برأسها تحمل ضمنا الرئيس بري ودياب التبعة والمسؤولية، لأن الأول شاء أن يكرس نهائيا مقولة أن مسار الأمور لم يخرج اطلاقا من بين يديه، ولأن الثاني ماض قدما في خيار التحدي والمبالغة في الاستقلالية عن القوى السياسية، وامتلاك حرية التصرف المطلقة.

المعلومات المتوافرة من أكثر من جهة، تتحدث عن تباينات ظهرت بين الرئيسين في لقائهما الاخير في أواخر الاسبوع الماضي في عين التينة، اذ وجد بري أمامه شخصية صلبة وواثقة من أدائها.

ومن البديهي أن هذا المشهد لم يكن وحده سببا حصريا وفق مصادر، دفع الرئيس بري الى ركوب هذا “المركب الخشن”، واطلاق قفاز التحدي في وجه الحكومة، اذ يبدو أن بري في حاجة ملحة الى هذا المخاشنة لاعتبارين عاجلين اثنين:

الاول: التغطية عن غياب أمام “حليفه” الذي بدا في الاونة الاخيرة وكأنه يقبض على زمام الامور في الساحة بيد من حديد، علما أن (بري) يدرك أن هذا الحليف يكاد يتولى حصرا أمر حماية “الحكومة” والحيلولة دون تعثرها.

والثاني: ليقول لدياب أنه يتعين عليك ان تعيد من الان فصاعدا، النظر في أدائك علما أن الامر يأتي عشية ولوج مرحلة البحث الجدي في التعيينات واستحقاقات أخرى.

وبري طرق الباب بشكل عنيف وهو في “انتظار الجواب”.