//Put this in the section

إيران منقسمة حول كورونا الذي يتفشى فيها.. روحاني يرفض الحجر على المدن، والحرس الثوري له رأي آخر!

يدور في إيران جدل كبير حالياً بين فريقين، أحدهما يطالب بضرورة فرض الحجر الصحي على مدن معينة لمنع انتشار وباء كورونا، وفريق آخر بزعامة الرئيس روحاني يرفض هذه الإجراءات.

الحرس الثوري بدوره انضم للفريق المطالب بضرورة فرض الحجر الصحي الكامل مع الذهاب بعيداً في محاولة لتطبيق النموذج الصيني للسيطرة على المرض.




حسن روحاني يرفض الحجر الكامل

وكان أحمدي لاشكي، النائب البرلماني عن مدينة نوشهر الساحلية، ظهر فى مقطع مصور، وهو يتحدث  بنبرة غاضبة ويائسة، عبر الهاتف، وهو يحاول إقناع محمود واعظي، مدير مكتب الرئيس حسن روحاني، فرض الحجر الصحي الكامل على مدينته، خاصة قبل عيد النوروز في 21 مارس/آذار، خوفاً من استغلال الإيرانيين للعيد والسفر إلى مدينة نوشهر، مما قد يتسبب في نقل العدوى بفيروس كورونا المستجد بشكل أسرع.

لكن في نهاية الأمر، لم يقتنع واعظي بالفكرة، مما اضطر النائب البرلماني إلى إنهاء المكالمة بشكل غاضب للغاية.

وبحسب مصدر كان يجلس على مقربة من النائب البرلماني أثناء مكالمته، تحدث لـ “عربي بوست”، بشريطة عدم الكشف عن هويته، قال “أخبرنا النائب لاشكي، بأن واعظي كان متعنتا للغاية، ولم يرد حتى سماع حجته إلى النهاية، معللاً أن الأمر بيد الرئيس حسن روحاني، الذي بدوره رفض الفكرة تماماً”.

كانت قد أعلنت وزارة الصحة الإيرانية عن أولى الإصابات بفيروس كورونا في الجمهورية الإسلامية، فى 19 فبراير/شباط 2020، وكانت الإصابات من نصيب مدينة قم الدينية، التي يزورها الآلاف من الحجاج الشيعة الإيرانيين والعرب.

عندما بدأت وتيرة الإصابات في الزيادة، بدأت الأصوات المطالبة بفرض الحجر الصحي على مدينة قم في الارتفاع، خاصة بعد انتشار الشائعات التي تقول إن المدينة لديها أعداد كبيرة من الإصابات أكثر من المعلنة رسمياً.

لكن على الفور، نفت وزارة الصحة الايرانية تلك الأحاديث، وأكدت على أن ليس لدى الحكومة أي نية لفرض الحجر الصحي على قم، أو غيرها من المدن الإيرانية، لأن الحجر الصحي “بدعة قديمة تعود إلى أيام الحرب العالمية الأولى”، بحسب تصريحات نائب وزير الصحة أيرج حريرتشي.

الحرس الثوري الإيراني يريد تكرار تجربة ووهان الصينية

لكن في بداية شهر مارس/آذار الجاري، زاد الحديث عن ضرورة فرض الحجر الصحي، على المدن التي لديها أعلى عدد من الإصابات، خاصة وأن الإيرانيين احتفلوا بعيد رأس السنة الفارسية بحسب التقويم الفارسي، في 21 مارس/آذار، وكان الجميع يخشى من تنقل الناس من مدينة إلى أخرى، مما يزيد من فرص تفشي فيروس كورونا.

قبل قدوم عيد النوروز (رأس السنة الفارسية)، وبالتحديد فى بداية شهر مارس/آذار، كان هناك ميل كبير من تجاه الحرس الثوري الإيراني، إلى فرض الحجر الصحي على قم، طهران، جيلان، أصفهان، لأنها من المدن التي سجلت عدداً كبيراً من الإصابات، في محاولة لمنع انتشار فيروس كورونا إلى باقي المقاطعات الإيرانية، خاصة في أيام عيد النوروز.

عمليات تعقيم قبل عيد النوروز في إيران
عمليات تعقيم قبل عيد النوروز في إيران

وبحسب مصدر مقرب من الحرس الثوري، تحدث إلى “عربي بوست”، شريطة عدم الكشف عن هويته، ذكر أن قائد الحرس الثوري الجنرال حسين سلامي، أطلع الرئيس حسن روحاني في اجتماع ثنائي بينهما عن رغبته في تكرار تجربة الصين بفرض الحجر الصحي الصارم على مدينة ووهان، في إيران لمنع تفشي فيروس كورونا.

يقول المصدر لـ “عربي بوست”، “قبل الاجتماع المباشر بينهما، تناقش سلامي عبر الهاتف مع الرئيس روحاني أكثر من مرة، من أجل إقناعه بفرض الحجر الصحي، وفرض حظر التجوال على جميع المقاطعات الإيرانية”.

وبحسب ما أخبرنا به المصدر المقرب من الحرس الثوري، فإن الجنرال حسين سلامي، وأغلب قادة الحرس الثوري الكبار، على قناعة تامة، بأن الحل الوحيد لاحتواء تفشي فيروس كورونا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هو تطبيق النموذج الصيني.

يقول المصدر لـ “عربي بوست”، “يرى قادة الحرس الثوري، أن نجاح الحكومة الصينية في السيطرة على مدينة ووهان حتى وإن كان بالقوة، هو الإجراء المناسب لاحتواء فيروس كورونا، ويجب على الحكومة الإيرانية، تطبيقه أيضاً، في ظل زيادة الإصابات المستمرة”.

لكن على ما يبدو أن الرئيس حسن روحاني، رافض لأي حديث عن فرض الحجر الصحي على أي مدينه إيرانية، بالرغم من زيادة أعداد المصابين، والوفيات.

روحاني: لا للحجر الصحي، لا اليوم، ولا في العيد

قبل عيد النوروز بأيام قليلة، صرح الرئيس الإيراني حسن روحاني يوم 15 مارس/آذار، قائلاً “ليس لدينا ما يعرف بالحجر الصحي، لا اليوم، ولا في العيد، والجميع أحرار في أعمالهم وأنشطتهم”، متحدياً رغبة الحرس الثوري في فرض الحجر الصحي على كامل الجمهورية الإسلامية.

منذ بدء تفشي فيروس كورونا المستجد في إيران، لم تقم الحكومة الإيرانية بتعطيل الدوام في الدوائر الحكومية، أو حتى تقليل عدد ساعات العمل، اكتفت فقط بتعليق الدراسة في المدارس والجامعات، وإغلاق المسارح ودور السينما.

خلال تصريحاته، أشار روحاني، أن اللجنة الوطنية لمكافحة فيروس كورونا في إيران، هي الجهة الوحيدة التي من حقها إصدار قرار بالحجر الصحي من عدمه، وإنها إلى الآن لم تعلن مثل هذا الإجراء.

ووفقاً لمسؤول بوزارة الصحة الإيرانية، تحدث إلى “عربي بوست”، رافضاً الكشف عن هويته، لأنه غير مخول له التحدث إلى وسائل الإعلام، فإن اللجنة الوطنية لمكافحة فيروس كورونا برئاسة وزير الصحة، قد طلبت من الرئيس حسن روحاني أكثر من مرة، فرض الحجر الصحي، لكنه رفض الأمر تماماً.

وكان قد انتقد رئيس محسن هاشمي رئيس مجلس بلدية طهران، رفض حكومة روحاني لإقامة الحجر الصحي، قائلاً “على الأقل يجب على الحكومة شرح سبب الرفض للناس علانية”.

لكن إلى الآن، لم يعلن روحاني في أي مرة من المرات التي تحدث فيها عن رفضه فرض الحجر الصحي، عن أسباب هذا الرفض بشكل صريح.

لا يمكننا تطبيق الحجر الصحي في إيران

عندما أعلنت بكين أنها استطاعت السيطرة على تفشي فيروس كورونا، وعدم تسجيل إصابات محلية لمدة ثلاثة أيام على التوالي، وبدأت الدول الأخرى التي ضربها الفيروس في فرض الحجر الصحي، مثل إيطاليا وفرنسا، أعلن بعض المسؤولين الإيرانيين عن غضبهم، بسبب رفض الحكومة الإيرانية اتخاذ قرار الحجر الصحي لتقليل عدد الإصابات.

يقول النائب البرلماني، محمد رضا نجفي لـ “عربي بوست”، “منذ اليوم الأول ونحن نطالب الحكومة بفرض الحجر الصحي على مدينة قم، لعدم وصول الفيروس إلى باقي المقاطعات، وبسبب رفض الحكومة، جميع المقاطعات الإيرانية الـ31، سجلت إصابات بالفيروس”.

يرى النائب نجفي، أنه على الأقل، يجب فرض الحجر الصحي، على المدن والمقاطعات التي لديها نسبة إصابات عالية، لمساعدة القطاع الصحي، على مواجهة تلك الأزمة.

إيرانيات يرتدين قناع الوجه
إيرانيات يرتدين قناع الوجه

لكن هناك من يرى، أن إجراء الحجر الصحي، لا يمكن تطبيقه في إيران، فيرى النائب البرلماني عن مقاطعة أصفهان، حيدر على عابدي، أن أوضاع البلاد لا تحتمل الحجر الصحي، وفرض حظر التجوال الكامل.

فيقول عابدي لـ “عربي بوست”، “ظروف الحجر الصحي في إيران، لها تعريفاتها الخاصة بها، ولا يمكن مقارنتها بالدول الأخرى، الأمر صعب تطبيقه في إيران، لذلك يجب على الناس البقاء في منازلهم قدر الإمكان”.

لم يفسر عابدي، لماذا يعد فرض الحجر الصحي في إيران أمراً صعباً، لكنه أشار فقط إلى أنه متعلق بعدم رغبة الحكومة في تعطيل الحركة الاقتصادية في البلاد.

رفض الحكومة إدارة سيئة للأزمة

وبعيداً عن دعوات فرض الحجر الصحي، لم تتخذ الحكومة الإيرانية أي خطوة حظر تجوال جزئي على الأقل، أو تقليل ساعات العمل في مؤسسات الحكومة، والقطاع الخاص، من أجل احتواء تفشي فيروس كورونا المستجد في البلاد، بل لآخر لحظة، لم تصدر قراراً رسمياً بإغلاق الأضرحة في مدينتي قم ومشهد.

مما زاد من غضب بعض الإيرانيين، الذين طالبوا الحكومة بأنفسهم، بفرض الحجر الصحي على مدينة طهران على الأقل، أكبر المدن الإيرانية، والتي سجلت أعداداً كبيرة من الإصابة بفيروس كورونا.

يقول صحفي إيراني لـ “عربي بوست”، “هناك تعنت غير مبرر من قبل الرئيس روحاني، بخصوص أمر فرض الحجر الصحي، وحتى الحديث عن حظر تجوال جزئي أو تخفيف العمل في الدوائر الحكومية، وهذا شيء يتسم بعدم إدراك فداحة الأمر، ينم عن سوء إدارة للأزمة”.

بعد النوروز.. زيادة أعداد المصابين

فى يوم 21 مارس/آذار، لم يلتزم البعض من الإيرانيين، بتعليمات الحكومة بالمكوث في المنزل، وعدم استغلال مناسبة العيد للتنقل بين المدن، وحدث ما كان متوقعاً بسبب عدم إغلاق حركة التنقل أمام الناس.

في محافظة جيلان، القريبة من مدينة قم، والتي لها نصيب كبير من عدد الإصابات، وقف الناس على مدخل المدينة في عيد النوروز، راغبين في قضاء عطلة العيد بالمدينة.

وفقاً لمصدر مسئول بالمحافظة، حاول عمدة جيلان بشتى الطرق، قبيل العيد بساعات قليلة التواصل مع الحكومة المركزية في طهران، لإيجاد أي وسيلة لمنع تدفق الناس على المدينة، لعدم انتشار فيروس كورونا في المدينة، المنهكة بالفعل جراء أزمة فيروس كورونا، وقلة الإمكانيات الطبية.

كانت آخر الإحصائيات التي أعلنتها وزارة الصحة الإيرانية، يوم 25 مارس/آذار، وحتى كتابة هذا التقرير، وصول نسبة الإصابات إلى 27 ألف شخص، وألفي حالة وفاة.

يتوقع بعض الأطباء داخل إيران، موجة ثانية من تفشي فيروس كورونا في البلاد، في الأسابيع المقبلة.

يقول طبيب الأمراض المعدية، المقيم في مقاطعة جيلان، لـ “عربي بوست”، شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، “شهدنا نسبة كبيرة من الإصابات في المقاطعة، بعد عيد النوروز، مما ساعد في تعقيد الأمور أكثر وأكثر، ونتوقع زيادة كبيرة في عدد الإصابات خلال أسابيع قليلة”.

لكن، لماذا ترفض الحكومة؟

في أكثر من موضع، أشار الرئيس حسن روحاني، إلى أن إغلاق البلاد بشكل كامل، وإيقاف جميع الأعمال، هو هدف أعداء الجمهورية الإسلامية من وراء تفشي فيروس كورونا في البلاد.

مما دفع النائب البرلماني السابق، والسياسي الإصلاحي البارز، محمود صادق، والذي أعلن شفاءه من فيروس كورونا، إلى اتهام الرئيس روحاني، بوهم نظرية المؤامرة.

وكان روحاني قد صرح في آخر اجتماع له مع مسئولي اللجنة الوطنية لمكافحة فيروس كورونا، قائلاً “إن المؤامرة المضادة للثورة الإسلامية، كانت تهدف إلى إغلاق النشاط التجاري والاقتصادي، وإضعاف القدرة الإنتاجية للجمهورية الإسلامية”.

يقول المستشار السابق للرئيس حسن روحاني، علي أكبر تركان، لـ “عربي بوست”، “السبب وراء رفض روحاني فرض الحجر الصحي، أو أي إجراءات مشابهة، هو سبب اقتصادي بحت، فالبلاد على حافة الانهيار الاقتصادي، ولا يمكنها تحمل تبعات الإغلاق التام”.

هذا التفسير يحيلنا إلى فكرة، صحة المواطنين وحمايتهم، أم الاقتصاد. يرى أستاذ الاقتصاد ميرحسين أصفهاني، المقيم بطهران، أن المعادلة من الصعب حلها، فيقول لـ “عربي بوست”، “خلال العامين الماضيين عانت إيران من جراء العقوبات الأمريكية، وإجراءات الحجر الصحي، أو حظر التجوال، ستكلف الحكومة التي قدمت ميزانيتها الجديدة والضعيفة، الكثير من الأموال، لتوفير الخدمات والإعانات المالية للأسر الفقيرة، والأشد فقراً، في ظل الإغلاق التام لمجال العمل”.

يوافق أصفهاني الرأي، مصدر مقرب محمود واعظي، رئيس مكتب الرئيس حسن روحاني، فيقول لـ “عربي بوست”، “تدرك إدارة روحاني، أن سياسة الحجر الصحي، مكلفة للغاية، وليس في إمكان الحكومة تحمل أعباء جديدة، خاصة في ظل انخفاض أسعار النفط، والعقوبات الأمريكية”.

يرى المصدر الحكومي، أن طلب الحرس الثوري الإيراني وفرض الحجر الصحي على المدن الإيرانية، لم يكن مدروساً بشكل جيد، لأن الحكومة في النهاية هي التي ستتحمل لوم وغضب الناس.

فيقول “الرئيس روحاني استاء كثيراً من إلحاح الحرس الثوري، بفرض الحجر الصحي، في النهاية سيتظاهر الناس ضد الحكومة، ناهيك عن رفض الرئيس لأي احتكاك بين الناس والحرس، في حالة تطبيق فرض الحجر الصحي ومنع التجوال”.

سنقوم بالحجر الصحي من أنفسنا

وسط مخاوف الإيرانيين، من الموجة الثانية لتفشي فيروس كورونا التي تحدث عنها الأطباء، لجأ عدد من المسئولين، في بعض المقاطعات إلى تطبيق الحجر الصحي بشكل منفرد، بعيداً عن الحكومة المركزية في طهران.

فعلى سبيل المثال، أعلن المسئولون المحليون في مقاطعة خوزستان، أنه مع انتشار فيروس كورونا في المقاطعة سيتم إغلاق جميع الأعمال والأنشطة التجارية حتى إشعار آخر.

وكان حكام المقاطعات الأخرى اتخذوا بعض القرارات المشابهة إلى حد ما، مع حظر الدخول والخروج من المدن، وتعطيل جزئي لوسائل النقل العامة.

وعلى ما يبدو أن تلك القرارات الفردية، والرغبة الكبيرة من جانب الناس والمسئولين في تطبيق سياسات العزل الصحي، قد دفعت الحكومة إلى اتخاذ قرار بتقييد حركة التنقل بين المحافظات.

فقد صرح وزير الداخلية الإيراني عبدالرضا رحماني، بأنه سيتم فرض بعض القيود على تنقلات المواطنين بين المدن، تنفيذاً لخطة الحكومة الجديدة، لفرض السيطرة على مداخل ومخارج المدن.

“دائماً، ما تكون إجراءات الحكومة الإيرانية منقوصة ومتأخرة، وتأتي بعد فوات الأوان، وموت وإصابة الآلاف”، هكذا علق الصحفي الإيراني مهرداد على قرار الحكومة الأخير.