//Put this in the section

مزاعم الصين بـ”الانتصار” على كورونا تبعث الأمل، لكن خبراء يعتقدون أنها سابقة لأوانها

الصين تنتصر في “حربها الشعبية” ضد فيروس كورونا. هذه هي الرسالة التي ما فتئ المسؤولون والدبلوماسيون الصينيون يرسلونها ويعملون على تضخيمها عبر الأذرع الصحفية التي يسيطر عليها الحزب الشيوعي الصيني.

ويشكل جزءاً أساسياً من هذه السردية أن ووهان التي كانت يوماً مركز التفشي والتي زارها الرئيس الصيني شي جين بينغ مؤخراً قد تمكنت من إيقاف انتقال العدوى بين سكانها. وقد مضت خمسة أيام دون الإبلاغ عن حالات إصابة جديدة في المدينة، حتى يوم الإثنين، الذي أعلنت فيه سلطات ووهان عن حالة إصابة جديدة.




أخبار جيدة.. لكن مهلاً

تقول صحيفة The Washington Post الأمريكية، في بلد يخرج للتو من حالة إغلاق ساحق، وعالم يبحث عن إجابات، تبدو الأعداد القليلة للإصابات أخباراً جيدة حقاً. وقد أخذت الدول الأخرى تراقب مراحل الأزمة في ووهان عن كثب، لتلقي الدروس حول أفضل السبل لاحتواء التفشي المحلي للفيروس.

لكن عدد حالات الإصابة المقارب للصفر في ووهان أصبح موضع تساؤل التقارير المستقلة، وقوبل بشكوك كبيرة من خبراء. ويُبرز ذلك الموضوع قضايا أوسع نطاقاً بشأن الصين، فقد قوبلت الأرقام الإجمالية لحالات الإصابة والوفاة بفيروس كورونا في البلاد ببعض من الارتياب منذ العلامات الأولى للأزمة.

وتشير تقارير مختلفة من وسائل إعلام صينية ويابانية ومن هونغ كونغ إلى أن قلة عدد الحالات الجديدة في ووهان قد يعكس تراجعاً في إجراء الاختبارات لسكان المدينة. كما لفت خبراء الصحة العامة الانتباه إلى أن الصين لا تُدرج الحالات التي لا تظهر أعراضاً ضمن الحالات المؤكدة في أرقامها، وهي نقطة عمياء محتملة أخرى.

حالات صفرية؟

هذه الثغرات تبعث على القلق، خاصةً أن السلطات قررت أن يتمكنَ عشرات الملايين من سكان مقاطعة هوبي من التنقل بحرية لأول مرة منذ شهور. لكن، وعلى الرغم من أن ووهان، عاصمة المقاطعة، ستظل مغلقة، يخشى بعض الخبراء احتمال أن تحلَّ موجة أخرى من الإصابات بالفيروس عندما يبدأ الناس في السفر من وإلى جميع أنحاء البر الصيني.

ويقول يانتشونغ هوانغ، الباحث الأقدم في مجال الصحة العالمية بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، إن “الحالات الصفرية، في هذا السياق، ذات معنى رمزي بالأساس”.

وتابع: “إن الهدف منها أن تقول للناس إن (كل شي آمن، لقد حان الوقت للعودة إلى العمل، لقد حان الوقت لعودة كل شيء إلى طبيعته)، وذلك لكي تظهر للعالم الخارجي مدى فاعلية النهج الصيني، وكيف أن بإمكانه توفير بديلٍ قابل للتطبيق للمناهج الغربية وسبلها”.

تحذيرات من داخل الصين نفسها

ومع ذلك، فإن رئيس مجلس الدولة الصيني، لي كه تشيانغ، حذّر الحكومات المحلية يوم الإثنين من “التستر” على التقارير المتعلقة بإصابات جديدة بفيروس كورونا “من أجل إبقاء الأعداد الخاصة بالحالات الجديدة عند الرقم صفر”.

كانت حالة الإغلاق العام التي فرضتها الصين على ووهان وأجزاء كبيرة من مقاطعة هوبي حالةً لم يسبق لها مثيل، فقد علّقت الرحلات الجوية والقطارات، وأوقفت وسائل النقل العام وأغلقت الشركات، ليس لأيام أو أسابيع، وإنما لمدة شهرين.

وعلى الرغم من أن أساليب الصين تضمنت تكتيكات قاسية، مثل حبس الناس في شققهم وإخضاعهم للمراقبة المكثفة، فإن العالم بات يتطلع إلى هوبي لمعرفة التكتيكات التي قد تنجح في الحد من انتشار الفيروس. ومن الواضح أن الوضع في ووهان قد تحسن تحسناً كبيراً.

وكانت التقارير الواردة من ووهان، في أواخر يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط الماضيين، تُظهر المستشفيات مكتظةً بالمرضى فوق قدرتها الاستيعابية، لدرجة انهيار الأطباء والاضطرار إلى معالجة المرضى في الممرات.

وفي 10 مارس/آذار، بعد أكثر من شهرين من بدء الإغلاق، زار شي المدينة، في إشارة إلى المسؤولين المحليين بأنه يجب استئناف الحياة العادية قريباً. وخلال الأسبوع التالي، لم تبلغ ووهان عن أي حالات إصابة جديدة لأول مرة منذ بدء تفشي الفيروس في المدينة.

لكن تقارير مستقلة عمدت إلى التحري بشأن مدى صحة الادعاء. وفي 23 مارس/آذار، نشرت وكالة Caixin، وهي منبر إعلامي صيني دأب على تقديم تغطية رائدة للأزمة، تقريراً أوردت فيه أن الفيروس ربما يكون لا يزال متفشياً في المدينة.

ونقلت Caixin عن مسؤول لم تكشف عن اسمه في “المركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها” قوله: “لا يزال هناك عدد قليل بما يعادل 12 حالة أو نحوها من الحالات التي لا تُظهر أعراضاً ترد إلينا كل يوم. ومن ثم فلا يمكن تحديد ما إذا كان تفشي الفيروس قد انقطع تماماً أم لا”.

حساب إصابات مختلف، ومنع اختبارات في ووهان

الصين، على خلاف الدول الأخرى، تحسب فقط المرضى الذين تأتي نتائج اختبارهم إيجابية ويُظهرون أعراض الإصابة بالفيروس، وهو ما يعني أن الشخص الذي خضع للاختبار وتأكدت إصابته بالفيروس لكنه لا يزال من دون أعراض قد يظل غير محسوبٍ إحصائياً.

وأوردت صحيفة South China Morning Post التي يقع مقرها في هونغ كونغ، أنها اطلعت على بيانات حكومية صينية سرية، تشير إلى أن أكثر من 43 ألف شخص في الصين تأكدت إصابتهم بالفيروس بنهاية شهر فبراير/شباط، دون ظهور أعراض عليهم. وإذا كان هذا الرقم صحيحاً، فإن نحو ثلث حالات الإصابة في الصين كانت من دون أعراض، وهو نوع من الحالات التي ما يزال الباحثون حول العالم يحاولون بجهدٍ فهمها على نحو واضح.

وهناك أيضاً أسئلة حول معدل الخضوع لاختبارات. فقد تواصلت محطة إخبارية أخرى في هونغ كونغ، وهي RTHK، مع أشخاص في ووهان زعموا أنهم حرموا من إجراء الاختبار، في محاولة لإبقاء عدد الحالات المصابة منخفضاً.

ونقلت وكالة الأنباء اليابانية Kyodo عن طبيب من ووهان لم تذكر اسمه قولَه إنه تم تعليق إجراء الاختبارات في أعقاب زيارة شي، وذلك لدعم فرضية أن الصين قد خرجت منتصرة من المعركة.

ولم تذهب صحيفة The Washington Post الأمريكية منفردةً إلى تأكيد تلك الفرضيات، فالاستراتيجيات التي توردها تقارير مختلفة –مثل الإبقاء على عدد الإصابات المعلنة منخفضاً، وحجب البيانات- تتسق مع تقارير وأنباء سابقة.

وقد أظهر تقرير سابق أوردته الصحيفة الأمريكية بخصوص الأيام الأولى لتفشي الفيروس في ووهان كيف أن حالة التعتيم والرقابة التي فرضتها السلطات أدت إلى مزيد من تفشي الفيروس في جميع أنحاء الصين والعالم. ففي يناير/كانون الثاني الماضي، توقف المسؤولون المحليون عن تسجيل حالات جديدة قبل اجتماع مقرر للحزب الشيوعي الصيني في مقاطعة هوبي. كما امتنعت الصين عن مشاركة بيانات مهمة مع منظمة الصحة العالمية.

وربما يقصد المسؤولون المحليون، من خلال إعطائهم بيانات إيجابية من ووهان، تلبية دعوة شي المتعلقة بضرورة تحريك اقتصاد البلاد ودعمه.

ويقول دالي يانغ، خبير الشؤون الصينية بجامعة شيكاغو الأمريكية، إن الصين تصارع من أجل “إيجاد التوازن بين جهود محاربة الفيروس وأثرها في إضعاف الاقتصاد”.

وتذهب جينيفر نوزو، عالمة الأوبئة وكبيرة الباحثين بمركز جونز هوبكنز للأمن الصحي، إلى أنه في الوقت الذي تتطلع فيه ووهان إلى نهاية حالة الإغلاق المفروضة عليها، في 8 أبريل/نيسان، فإن السلطات يتعين عليها رفع معدل إجراء الاختبارات، وليس تخفيضها.

وقالت نوزو: “من الأهمية بمكان الحفاظ على حالة التيقظ. فالآن ليس الوقت المناسب لإعلان الانتصار في المعركة”.