//Put this in the section

كورونا تعيد الحياة إلى عادات جيل “ما قبل التكنولوجيا” – بقلم كاتيا سعد

بعيداً عن “الكورونا” في مفهومها كـ “أزمة”، وما آلت إليه الحال على كافة الأصعدة الدينية، السياسية، النفسية والاقتصادية.. فإن لهذه الحقبة فوائد يوم دخلت مرحلة “العزلة”، وكأنّ العالم يقول “اسمحوا لي باستراحة”، والتاريخ يطلب من الإنسان أن يستعيد عادات أسلافه التي حُجرت منذ سنوات يوم اخترقت التكنولوجيا العالم.
اليوم، عادت البشرية لترتدي عادات اجتماعية كانت قد خلعتها لحساب الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية، وأهمها العلاقات الفردية مع بعضها البعض. وقد شكّلت المسافة، التي فُرضت من أجل الوقاية من فيروس الكورونا، مصدر ازعاج لدى البشرية: الأيادي مكبّلة عن المصافحة، التقبيل ممنوع، العناق محظور والتقارب نقطة خطر. نعم، نحن كثيراً ما لا نعرف قيمة الأشياء إلا حين نفقدها.

اليوم، نتمنى أن نجتمع بأهلنا وأصدقائنا وأحبائنا وزملائنا، بعد أن فرض علينا الابتعاد عنهم.. اليوم لم تعد لدينا الفرصة للخروج براحة بل للضرورة، وأصلاً كل المقاهي والمطاعم والملاهي الليلية مقفلة. اليوم لم تعد مقولة الأم “خليك البيت، إلى أين تذهب” مجرّد مزحة أو مقولة محلية، بل باتت صرخة عالمية للحدّ من انتشار وباء الكورونا، وبات المنزل هو مصدر أمان.




اليوم، إنّ التاريخ يعيد عادات أجيال مضت إلى “جيل التكنولوجيا” منها اجتماع العائلة تحت سقف واحد، على مائدة واحدة وفي توقيت واحد، وهي عادة تفتقد إليها غالبية العائلات إلا في المناسبات. وما هي إلا البداية في سلسلة نشاطات “ما قبل التكنولوجيا” التي استأنفت عملها أهمها بين أفراد العائلة لعب الورق، “المونوبولي” (Monopoly)، الـ “ريسك” (Risk)، مشاهدة الأفلام وغيرها من أدوات التسلية غير الإلكترونية. ناهيك بالتأكيد عن استئناف القراءة بدل الالتصاق شبه الدائم بشاشات الهواتف الذكية واللوحات الإلكترونية. وبالتالي استعاد الأهل جزءاً كبيراً من التواصل المباشر مع أبنائهم والعكس صحيح، وليس مستغرباً أنهم باتوا على تماس أكبر مع تفاصيل حياتهم اليومية.
هذا من جهة، ولكن من جهة أخرى كلٌ انسحب لتمضية الوقت مع نفسه، والتركيز على اهتماماته الشخصية، وتمّ تعليق مقولة “ليس لدي الوقت لهذا الأمر أو ذاك”. البعض مارس شغفه بالطبخ، وآخرون انكبّ على عمل أدبي خاص كان يؤجله مراراً وتكراراً لضيق الوقت بسبب انشغاله بعمله اليومي، وغيرهم خصّص الوقت للترتيب وتنظيم شؤون بيته.

جاءت هذه الأزمة وكأنها متنفّس كوني، ولكن أيضاً جرعة وعي للتضامن الإنساني والتعايش مع الآخر. أصبح العالم متكاتفاً مع بعضه البعض، وتنحّت بعض الدول عن سياساتها “المستفزّة” لشعبها ولجأت إلى تجنيد طاقتها لخدمة الشعب واتّخاذ القرارات التي تساهم من تخفيف حدّة هذه المرحلة على المواطن منها في لبنان المساعدات المالية الداعمة للصليب الأحمر والمستشفيات وحتى العائلات التي هي في حالة عجز، التزام بعض الدول الأجنبية بالتحفيزات المادية (تعليق الأجور، تسديد الشؤون المتعلقة بالكهرباء والمياه…). وهناك مبادرات فردية خاصة ثقافية، وتساعد في الدعم المعنوي والنفسي ومنها في فرنسا: خلال فترة الحجر المنزلي، يمكن زيارة بعض المعالم الباريسية فعليًا بطريقة افتراضية. كذلك بالنسبة لـ “أوبرا باريس” التي ستضع في تصرّف الجميع فرصة مشاهدة العديد من العروض أونلاين بشكل مجّاني.

ومن المبادرات أيضاً اعتماد بعض الفنانين للمنصات الإلكترونية لتقديم عروضاً فنية وسهرات غنائية، ونشر أعمالهم “أونلاين”. وقامت فرقة “مسار إجباري” تقدّم حفلاً غنائياً “أونلاين” لجمهورها المصري والعربي عبر “يوتيوب” و”فيسبوك”، وذلك إثر إلغاء جميع حفلاتها الغنائية بسبب تفشي وباء كورونا. هذا وقد أعلن الفنان تامر عاشور في تغريدة

على حسابه على “تويتر” بأنّه سيقدّم حفلاً غنائياً عبر حسابه على موقع “يوتيوب”، وقال: “قررت اعملكم حفلة لايف على الـ YouTube تقدرو تتفرجو عليها ف بيوتكم وتطلبو الاغاني اللي انتو عايزنها، وندور على اي حاجه فيها طاقة ايجابيه ونعملها وان شاء الله أزمه وهتعدّي”.

اليوم، بات الاستمتاع بالتفاصيل الصغيرة هو سيّد الموقف، وأصبحت قيمة اللحظة تتفوق على الانشغال بالغد. هذه الأزمة، مهما كان واقها أو حيثياتها، هي أيضا إشارة كي لا ننسى أنفسنا ونستريح قليلاً من ضوضاء الحياة، وبالتالي يستريح الكون معنا، ماذا لو كانت هذه المرحلة مجرّد عملية “ديتوكس” لنا وللعالم؟