//Put this in the section

“كورونا” ما بين إيطاليا ولبنان – مسعود محمد – نداء الوطن

مسعود محمد

الإيطاليون يكافحون كما لو أنهم في حرب حقيقية الا أن العدو هذه المرة هو غير مرئي كما قال لي أحد عناصر الدفاع المدني في منطقة لومبارديا، إلا أننا كدولة ومجتمع يجب أن نتصرف بمسؤولية، ونواجه بحزم، كما فعلت حركة الأنصار في إيطاليا في مواجهة الفاشية أثناء الحرب العالمية.




تصيبني حالة من الحزن عندما أقارن بين إيطاليا ولبنان وطني الذي لو لم يكن وطني لاخترته وطناً لي.

بعكس لبنان المربك في مواجهة الأزمة، الدولة الإيطالية حاضرة في كل التفاصيل، لقد تحول البلد كله الى خلية عمل، السلطات أخذت كل القرارات التي تساعد على حماية مواطنيها، وتصرفت بوعي، أغلقت البلد للحيلولة دون انتشار فيروس كورونا، ودخل الناس في الحجر الصحي التطوعي بوعي، الأمر لا يتطلب ديكتاتورية لمكافحة فيروس كورونا بل يتطلب وعياً مجتمعياً، وسلطات داعمة للمجتمع.

في أوروبا كانت إيطاليا هي الدولة التي اتخذت أشد الإجراءات ضد كورونا، حيث وضعت السلطات البلد بأسره طوعاً وبوعي رهن الحجر الصحي، وأغلقت جميع المتاجر، ما عدا متاجر الأغذية والصيدليات.

وحظرت إيطاليا أيضاً التجمعات العامة، وأُصدرت تعليمات للسكان بالبقاء في منازلهم. وعلى الراغبين في السفر أن تكون في حوزتهم وثائق تثبت أسباب سفرهم. كما أن المدراس والجامعات لا تزال مغلقة. فرضت السلطات قيوداً صارمة على الدخول والخروج من وإلى الأقاليم حتى انتهاء مدة الحجر يوم 3 أبريل/نيسان المقبل، وفق مشروع قرار للحكومة.

لقد تحولت المدن العامرة بالحياة كميلانو، وروما، وفينيسيا، الى مدن أشباح، عندما تسأل الإيطاليين عن رأيهم بالموضوع يقولون لك بكل بساطة “علينا أن نتحلى بالوعي ونتخلى عن أنانيتنا، حرمنا الفيروس من الأحضان والقبلات، من تناول العشاء مع الأصدقاء، من احتساء الشراب مع الأصدقاء، من الحفلات الموسيقية، رغم ذلك نثق بالنصر، وستكون كل أيامنا القادمة قبلات واحتفالات”.

كان يوم 13 آذار يوماً إحتفالياً بامتياز، في السادسة مساء، أطل كل إيطالي مع آلته الموسيقية وعزف الموسيقى تعبيراً عن تمسكهم بالحياة. بعد الحجر الصحي المفروض على كافة أنحاء إيطاليا ومنع المواطنين من الخروج من منازلهم إلا في الحالة الضرورية بسبب تفشي فيروس كورونا، حيث خرج السكان إلى شرفات منازلهم أو من النوافذ وهم يغنون ويعزفون الموسيقى، وذلك لرفع معنويات الناس والحفاظ على روح عالية للصمود وتحدي المرض.

غادر البابا فرنسيس مدينة الفاتيكان للصلاة في كاتدرائية روما، من أجل ضحايا فيروس كورونا، وحمل الحبر الأعظم، البالغ من العمر 83 عاماً صليباً من زمن الطاعون في تلميح إلى أن اليوم لا يختلف كثيراً عن أمس، خصوصاً بعد أن أعلنت إيطاليا الحجر الصحي لحوالى 60 مليون إيطالي. وقال الفاتيكان إن البابا صلى من أجل “نهاية الوباء، داعياً لشفاء العديد من المرضى، وتذكر العديد من الضحايا”. واتخذ الفاتيكان خطوات جذرية بإلغاء احتفالات أسبوع عيد الفصح التي كان من المقرر أن تبدأ في 5 أبريل/ نيسان حيث تستعد البلاد للأسوأ.

تسبب فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في وفاة 475 شخصاً في إيطاليا خلال الساعات الـ24 الأخيرة في أسوأ حصيلة ضحايا تسجل في بلد واحد خلال يوم كما أعلن الأربعاء الدفاع المدني.

وبلغ عدد الوفيات في إيطاليا حتى الآن 3000 جراء هذا الوباء في حصيلة تقارب تلك التي سجلت في الصين (أكثر من 3200 وفاة) حيث ظهر “كوفيد-19”.

وسجلت أجهزة الصحة الإيطالية 4207 إصابات جديدة في الساعات الـ24 الأخيرة، وهو رقم لم يسجل من قبل.

وبذلك بلغت نسبة الوفيات بالفيروس في إيطاليا الآن نحو 7% من العدد الإجمالي للمصابين، وكانت مقاطعة لومبارديا الأكثر تضررا مع تسجيل ثلث الوفيات فيها.

وارتفع عدد الإصابات الجديدة أيضاً في مقاطعات أخرى كفينيتو وبيمونتي، مع تسجيل 500 حالة إضافية في كل مقاطعة، في حين سجلت توسكانا 300 حالة إضافية. وآخر أرقام قياسية خلال يوم تعود إلى الأحد بتسجيل 368 وفاة، وهو ما لم تشهده قط الصين، بحسب الأرقام الرسمية.

وبعكس الدولة اللبنانية، التي لم تستطع حماية مدخرات المواطن اللبناني، وتقاعست عن دعمه وطالبته بدفع ثمن فحص الكورونا، أعلن وزير المالية الإيطالي روبرتو غاليتيري، تخصيص 25 مليار يورو (28 مليار دولار أميركي)، لمواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد، وذلك بعد يوم واحد من بدء إجراءات الحجر الصحي التي فرضتها الحكومة الإيطالية في كافة أنحاء البلاد.

جوزيبي كونتي رئيس وزراء إيطاليا قال “إن القرار الصائب اليوم هو أن نبقى في بيوتنا، مستقبل إيطاليا اليوم في يدنا، وهذه الأيادي عليها أن تكون مسؤولة أكثر من أي وقت مضى”. “لنبق متباعدين اليوم، كي نتعانق غداً”، شعار أطلقه كونتي لحث الناس على ممارسة وعيهم المجتمعي بدون ديكتاتورية، ليتصدر الشعار كافة صفحات التواصل الإجتماعي. إذاً هي حالة تجسيد حقيقية للتضامن في ما بين الشعب والسلطة، لمواجهة الوباء.

من خلال مشاهداتي في مشافي بافيا وميلانو، أستطيع أن أؤكد أن إيطاليا قد تكون تأخرت قليلاً في بداية الحدث إلا أنها لم تصب بالإرباك حتماً، بعكس وطني لبنان، كانت السلطات حاسمة، وقادرة على أخذ القرارات الصعبة، التي تؤدي الى حماية المواطن والوطن، ونجحت بخلق حالة تضامن اجتماعي في ما بين كافة السلطات الدينية والمدنية والمجتمع لصالح الوطن وبقائه.

لن تكون أوروبا في مرحلة ما بعد كورونا هي نفسها، آن أوان إصدار شهادة وفاتها، هكذا يقول الإيطاليون في ظل تقاعس أوروبا، إن كان في ملف اللجوء والهجرة بالأمس، أو في التضامن مع دولة مؤسسة، تتعرض لهجوم وبائي اليوم، أحد تداعيات الأزمة قد تكون سقوط فكرة “أوروبا”، وقد تكون إيطاليا ثاني دولة بعد بريطانيا تبادر الى الخروج منها.

هناك حالة غضب من عدم تضامن الشمال الأوروبي مع دولة مؤسسة للإتحاد، ونشهد تبلور تحالفات جديدة تنشأ من عمق الأزمة الصحية، فالصين كانت السباقة بنجدة إيطاليا، وكذلك كوبا تلك الدولة الصغيرة على حدود الولايات المتحدة، ووصلت من كلا البلدين فرق طبية لمساعدة إيطاليا، في ظل تقاعس جارتيها وشقيقتيها الأوروبيتين، فرنسا وألمانيا.

إيطاليا تقاتل، بهدف الإنتصار على كورونا، فكما هزمت الفاشية، تنوي هزيمة الكورونا، وسنحتفل كلنا نحن الذين شاركنا في المعركة عبر التزام بيوتنا بلذة النصر، وحينها سنتعانق بحرارة.