//Put this in the section

ماذا لدى الدولة غير ”الشحادة” لتأمين مقومات الصمود للبنانيين؟

سابين عويس – النهار

عندما اعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل ايام الحرب على وباء كورونا، داعيا الفرنسيين الى البقاء في منازلهم، تكفلت الدولة الفرنسية تعويض كل الأضرار والخسائر التي ستترتب عن القرار، وخصصت 300 مليار دولار لهذه الغاية.




وعندما اعلن الرئيس الاميركي دونالد ترامب حال الطوارىء في البلاد، خصص 500 مليار دولار توزع نقداً للعمال مقابل إجازات مدفوعة، فضلا عن تخصيص 500 مليار دولار في خطة أولية تعقبها خطة طارئة بقيمة 1.1 الف مليار دولار لمواجهة التداعيات على الاقتصاد الاميركي. اما المصرف المركزي الاوروبي فخصص 750 مليار دولار من اجل تقديم رزمة تدابير احتوائية وتحفيزية للمصارف الأوروبية لمواكبة الازمة الاقتصادية والمالية المستجدة بفعل تعطل النشاط الاقتصادي.

ليست هذه الا عينة من الاجراءات الفورية التي عمدت اليها دول كبرى لمساعدة شعوبها على مواجهة الوباء العالمي، ومن هذه الاجراءات ما قامت به دول عربية نفطية وغير نفطية، خصوصا وان حجم الخسائر الذي بدأ يتظهر عربيا ودوليا سيكون غير مسبوق، والاول من نوعه منذ الكساد العالمي في ثلاثينات العقد الماضي. حيث تبين تقديرات الامم المتحدة ان 35 مليون شخص سيفقدون وظيفتهم، وان الاقتصاد العالمي سيخسر اكثر من 1.2 في المئة من الناتج الاجمالي لتتراجع تقديرات النمو العالمي لهذه السنة من 5.6 في المئة الى 2 في المئة بحسب توقعات صندوق النقد الدولي، علما ان توقعات النمو للنصف الاول من السنة لا يتجاوز صفرا!

والحال ليست افضل في المنطقة العربية التي ستدخل في حال الانكماش بفعل انهيار أسعار النفط، وخسائر بلغت حتى الآن نحو 42 مليار دولار فضلا عما لا يقل عن 420 مليار دولار لشركات القطاع الخاص، بحسب تقديرات الأسكوا، في ظل توقعات بفقدان نحو مليون و700 الف شخص وظيفتهم.

امام هذه الصورة المتشائمة للعالم في ظل استمرار تفشي الوباء وفي انتظار إيجاد العلاج له الذي يعيد الحياة الى طبيعتها، يقف لبنان، بلدا صغيرا، متعثرا ماليا، ومفلسا داخليا وخارجيا، في شبه عزلة في ظل انشغال دول العالم بشعوبها واقتصادياتها، عاجزا بقدراته وإمكاناته الذاتية، عن مواجهة التداعيات المرتقبة.

واذا كانت مبادرة الاعلام الخاص في التوعية وتدارك مخاطر تفشي الوباء قد ساهمت في دفع السلطة الى استدراك ما فاتها، والاستعاضة عن شعار لا داعٍ للهلع الذي اطلقه وزير الصحة مع المرحلة الاولى من وصول الفيروس الى لبنان، الى شعار الحجر المنزلي كأفضل وسيلة وقائية في المرحلة الثانية، فإن الخطر الكبير الذي يتهدد البلاد اليوم، يتمثل في ايلاء الحكومة أولوياتها لمواجهة تفشي الفيروس، على الصعيدين الصحي والاستشفائي، وسط إمكانات ضعيفة، خصوصا لجهة تأمين ابسط مقومات المواجهة للبنانيين ولا سيما لدى الطبقات الفقيرة او ذوي الدخل المحدود، بعدما اشتعلت أسعار مواد التطهير والوقاية، وفي ظل اغفال شبه تام للتحديات التي تواجه اللبنانيين في معيشتهم، والمخاطر المترتبة على القطاعات الاقتصادية والانتاجية التي تنوء تحت ثقل الشلل المعطوف على اشهر طويلة من التراجع بدأت منذ أيلول الماضي. ولعل المبادرة الوحيدة التي شهدها لبنان على هذا الصعيد تمثل في انشاء صندوق تعاقدي لتلقي التبرعات!

والتحديات لا تقف حصرا على القطاع الاقتصادي، وانما ايضا على المالية العام للدولة وعلى التوقعات المتشائمة جداً حيال قدرة الدولة على تأمين الموارد المالية لتغطية نفقاتها، ولا سيما ان الانفاق على كورونا قد رفع كلفة الفاتورة الاستشفائية.

يواجه لبنان اليوم الهم الصحي في ظل نمو سلبي، وتوقف شبه كامل لعجلة الاقتصاد والإنتاج، وبطالة قاربت 50 في المئة (المقنعة والمعلنة)، وشح في السيولة وعجز عن تحرير الأموال في المصارف، وتراجع مقلق في احتياطات المصرف المركزي، وسط عزلة عربية ودولية تواجهها الحكومة، في انتظار مسار اصلاحي لم تسلكه الحكومة بعد!