//Put this in the section

أي تزامن بين إطلاق الفاخوري وفتح أبواب السجون الإيرانية؟

مجد بو مجاهد – النهار

تأتي مقاربة قضية إطلاق سراح عامر الفاخوري بمشهدية أكثر عمقاً إذا ما قوربت من كادر أوسع من الحدود اللبنانية. تزامن هذا التطور في توقيته مع حدث إطلاق إيران آلاف السجناء موقتاً لما اعتبرته محاولة لمكافحة انتشار فيروس “كورونا” المستجد في السجون المزدحمة. وحضرت على طاولة المستجدات قضايا سجناء غربيين. ولفت بعد ساعات على إعلان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، قبل أيام، أن إيران تفكر في إطلاق سراح بعض الأميركيين الذين احتجزتهم، ما أوردته وسائل إعلام إيرانية عن أن المرشد الأعلى للجمهورية سيفرج عن آلاف السجناء، ومن بينهم بعض معتقلي الرأي. وفي السياق، برز الشكر الذي وجهه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحكومة اللبنانية على إطلاق سراح الفاخوري، مشيرا إلى أنه في طريق عودته إلى الولايات المتحدة.




بادئ ذي بدء، لا بد من الإشارة التاريخية إلى أن الولايات المتحدة تبدي اهتماماً في إطلاق سراح مواطنيها وحلفائها والحفاظ على سلامتهم، انطلاقاً من قاعدة جوهرية أميركية اعتمدتها قديماً، وساهمت في إطلاق سراح مواطنين أميركيين من السجون الكورية والفيتنامية والروسية عبر مفاوضات، منها لم تحصل علانية. ولا يشكل إطلاق سراح الفاخوري استثناء عن القاعدة القائلة بأن واشنطن تعمل المستحيل من أجل العناية بمواطنيها واستعادتهم. وتتوقف الكيفية المنتهجة في العملية التفاوضية حول حجم الدولة التي تتفاوض معها ونفوذها وعدد المعتقلين فيها. ويمكن واشنطن إظهار بوادر إيجابية تجاه الدول المتعاونة في هذا الشأن، عبر إطلاق سراح عدد من سجناء هذه الدول في الولايات المتحدة، فيما يترتب عن عدم التعاون انعكاسات سلبية على الدول الرافضة خصوصاً في ظل الحالات الإنسانية.

وبحسب أوساط صاحبة حضور طويل في الشأن الديبلوماسي، فإن كل المعطيات تصبّ في اتجاه تسهيلات أبداها “حزب الله” في التعامل مع قضية الفاخوري، تزامناً مع مبادرة إيرانية تصبّ في خانة إطلاق سجناء منهم اعتقلوا بتهم تجسس لمصلحة دول غربية. وترى أن التسهيلات ناجمة من مصالح عليا، خصوصاً أن الأميركيين ينظرون إلى “حزب الله” على أنه فرع من الفروع الإيرانية أو ما يسمى بأحد أذرع الحرس الثوري في المنطقة. ولا يأتي هذا التطور مستغرباً أو جديدا من نوعه، باعتبار أن تجارب ماضية شبيهة في قضايا سجناء كانت حصلت سابقاً بين الدول. ويكمن المعطى العلمي الأبرز الذي لا بد من التوقف عنده، في أن تبادل السجناء لا يُعتبر إجراء يُدرج من ضمن إجراءات مصنفة في خانة مستوى عال جداً من المفاوضات بين الدول. ويصح القول انطلاقا من الخبرة الديبلوماسية، أن العلاقات لا تنقطع بشكل كليّ بين الدول. وتنحصر إجراءات من هذا النوع بالتساهل في إطلاق السجناء وفي استيراد مواد أولية. ولا يعني ذلك إقامة الصلح والعودة إلى علاقات طبيعية بين الدول المتخاصمة. أي مفاوضات جذرية لا بد لها من أن تحصل على مستوى عال على نطاق وزارة الخارجية الاميركية وتظهر علانية، على غرار تلك التي كانت حصلت مع الإيرانيين برعاية سلطنة عمان.

وتشير المعطيات إلى أن السياسة الأميركية المنتهجة لجهة فرض عقوبات على “حزب الله”، هي بمثابة سياسة مستدامة منتهجة إلى حين إمكان التوصل إلى اتفاق أميركي – إيراني جديد ملامحه معدومة حتى الساعة. أي مفاوضات في هذا الشأن عملية طويلة، إذا ما بوشرت قد تستمر سنوات للتوصل إلى أي اتفاق نهائي. بمعنى آخر، يصبّ فرض العقوبات على “حزب الله” في خانة السعي إلى تجفيف مصادر التمويل الإيرانية بما فيها الميليشيات التابعة له في المنطقة.

ويأتي حدث إعادة تموضع القوات الأميركية في الأراضي العراقية، ليضاف على جملة تطورات شكّلت فرصةً استغلها محور الممانعة للترويج على أنها مقدمة تمهيدية للانسحاب الأميركي من العراق. لا تتلاقى الإضاءة العلمية على هذا الحدث مع تمنيات الممانعة. يأتي تبديل مواقع قوى التحالف في إطار إعادة التموضع في مناطق محمية، درءاً للاستهداف الذي تتعرّض له عبر صواريخ الكاتيوشا. لا يعني ذلك تبديلاً في الإستراتيجية الأميركية. إنه أسلوب تكتي في التعامل مع الخطر الإيراني وميليشياتها في العراق. وتفيد المعلومات أن استبعاد الانسحاب الأميركي من العراق مرده إلى استراتيجية البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية ومؤشراتها المناقضة لهذا الاتجاه، بمعنى أنها ليست في صدد التحضير إلى أي انسحاب. بعبارة أكثر تأكيداً، لا يؤشر ما يصدر عن البنتاغون ووزارة الخارجية إلى انسحاب. إنه قرار استراتيجي، ولا تبدل في القرارات الجذرية والاستراتيجية الأميركية. ولا يمكن الاستهانة في التعامل مع هذه القضية أو إطلاق النظريات العشوائية التي يعتمدها محور الممانعة، خصوصاً أن أي انسحاب من العراق يعني انسحاباً كبيراً من الشرق الأوسط، من شأنه أن يكشف القوى الأميركية المتمركزة في دول الخليج العربي.

يرى مراقبون أن واشنطن تتمتع بالحضور الكامل في لبنان والمنطقة. ويشيرون إلى تعاون الساسة اللبنانيين على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم مع الإدارة الأميركية والتزامهم حدوداً معينة في التعامل مع “حزب الله”. ولا يغيب عن المشهد أن “حزب الله” منضبط وغير مشاغب في تعامله مع الحضور الأميركي لبنانياً. ويلتزم “الحزب” بالخطوط الحمر بما فيها عدم التعرض للجيش اللبناني، المؤسسة الأكثر أهمية في تطلعات الإدارة الأميركية، باعتبار أن قوة الجيش تمثل القوة الشرعية المدعومة من واشنطن. لكن، لا يغيب عن مسرح الانطباعات أن استلام “حزب الله” وزارة الصحة، شكّل قلقاً أميركياً اعتبر نقلة نوعية تقدّم فيها “الحزب” في الحكم من باب كبير، ما يخوله تهريب الأموال ومساعدة جرحى الحرب التابعين لمشروعه على حساب الدولة اللبنانية. ويبقى الهدف الأميركي الأساسي الراهن في تحجيم “الحزب” وتقليص دوره وعدم تخطيه حدوداً مرسومة. ويرى متابعون أن مصير “حزب الله” النهائي يتعلق بأي اتفاق أميركي – إيراني، بمعنى أن إنهاء “الحزب” كلياً بصيغته الحالية، يترجم على مستوى أميركا وإيران وليس على مستوى أميركا و”حزب الله”.

في غضون ذلك، استدعى تطور موقف “حزب الله” من رفض تدخل صندوق النقد الدولي إلى قبوله المشورة التقنية وصولاً إلى القبول بالاحتكام المشروط إلى “الصندوق”، اهتماماً بارزاً في الصالونات السياسية كما في صفوف أولئك المواكبين لمنهجية عمل “الصندوق”. ويستدعي هذا الملف التأكيد بأن تراجع “الحزب” لا يمكن أن يترجم “على القطعة”، باعتبار أن صندوق النقد لا يتعامل “على القطعة”! قد تُغدق النصائح والإرشادات من “الصندوق”، إلا أن الخلاص يترجم عبر تقديم القروض والأموال التي لا يمكن أن تقدّم إلا عبر برنامج عريض يشرف عليه “الصندوق” بنفسه. حتى أنه يشرف على شراء التجهيزات! وأصبح معروفاً أن الاحتكام إلى “الصندوق” يعني فتح الباب أمام المطار والمرفأ ومراقبة المعابر غير الشرعية. طبعاً، لا يزال ما أدلى به “حزب الله” رمادياً لناحية الموافقة غير المباشرة على “الصندوق”، لكن أي حضور مباشر لصندوق النقد، هو بشكل أو بآخر تقدم إضافي ومتكامل لحضور المجتمع الدولي في لبنان.