//Put this in the section

رضوان السيد في قراءة تاريخية لـ”14 آذار”: خروج أهل السنّة من المعادلة الوطنية!

رضوان السيد – أساس ميديا

في 14 آذار عام 2005 خرج أكثر من مليون لبناني من مختلف الطوائف ليستنكروا من جديد قتل الرئيس رفيق الحريري، وليتهموا النظام السوري علناً باغتياله، وليطلبوا خروجه مع عساكره من لبنان في تحقيقٍ للاستقلال الثاني، وليكوِّنوا جبهة قوى 14 آذار المناضلة من أجل الاستقلال والحرية، وتطبيق الطائف والدستور.




ما جمع الزعامة إلى الرئاسة غير كميل شمعون وبشير الجميل. ومن السنة ما جمع الأمرين غير الرئيس رفيق الحريري. ومن حيث العمل على مفهوم الدولة، والاهتمام بالتوازُن الوطني، ما اهتمّ لذلك غير فؤاد شهاب

قدّمتُ بهذه السطور لتذكُّر 14 آذار باعتبارها مناسبةً نموذجيةً لفهم أو لشرح المعني بالمعادلة الوطنية. إذ المعروف أنّ النظام السياسي اللبناني قام على التنسيق والتكامل بين الطوائف الثلاث الكبرى: المارونية والسنية والشيعية. وكان الاختلال يحدث عندما ينشأ صراع بينها، أو عندما يتحالف زعماء اثنتين منها، فتحسبهم الطائفة الثالثة متحالفين عليها. وهكذا كان الاتهام للموارنة والسنّة قبل الطائف، وهكذا هو الوضع اليوم حيث يتحالف “الرئيس القوي” مع “الثنائي الشيعي” القوي.

المعادلة الوطنية التي تصنع الاستقرار والأمن، وتفتح على الائتلاف الوطني هي التي تقوم على “قوّة التوازن” الوطني بتشارك الكبار وعدم إغضاب الصغار – وليس على “توازُن القوى” حيث يتحالف طرفان، فتشعر الأطراف الأُخرى بالاستبعاد والإقصاء أو حتى الملاحقة!

هل كان هناك زمان تحقّق فيه التوازن الوطني على المستوى المطلوب؟

نعم كانت هناك ظروف أكثر ملاءمة بكثير للاستقرار الطائفي والوطني، لكنّ هذا التوازُن لم يبلغ يوماً المستوى المرغوب. إنما كيف يتشكل التوازن أو يتحدد؟ يتشكل بالاطمئنان النسْبي من الرئاسات الثلاث إلى بعضها البعض، وعلى خلفية الهدوء في محيط لبنان العربي والإقليمي والدولي الأوسع، كما يتشكّل حسب موقع كل رئيس في طائفته. فليس كل رئيس بين الرئاسات الثلاث يصبح زعيماً لطائفته. من المسيحيين ما جمع الزعامة إلى الرئاسة غير كميل شمعون وبشير الجميل. ومن السنة ما جمع الأمرين غير الرئيس رفيق الحريري. ومن حيث العمل على مفهوم الدولة، والاهتمام بالتوازُن الوطني، ما اهتمّ لذلك غير فؤاد شهاب. ومن رؤساء الوزارة أربعة هم رشيد كرامي وصائب سلام ورفيق الحريري وتقي الدين الصلح؛ وبالطبع على تفاوُت، بسبب الاختلالات في الجوارَين العربي والإقليمي، الذين يتكئُ عليهما لبنان.

منذ السبعينات ما عادت طائفةٌ لبنانية تستطيع ممارسة الاعتدال والتحزب للدولة فقط وعدم شهر السلاح على أحد والوفاء للعيش المشترك والعروبة غير أهل السنّة، ولذلك قُتل ثلاثةٌ من رؤساء الحكومة، ومات اثنان في المنفى، والقتلة دائماً من متطرّفي وراديكاليي الطوائف الأُخرى

ولنلاحظ أنّه منذ مطلع السبعينات، ما عاد سياسيٌّ ماروني أو شيعي يستطيع ممارسة الاعتدال الوطني حتّى لو أراد: صار عليه أن يكون راديكالياً بداخل الطائفة، وتجاه زعماء الطوائف الأُخرى. لدى السياسي المسيحي لسيطرة الخوف لدى المسيحيين على المصير وسط الكثرة الإسلامية، والتوجس من الفلسطينيين والسوريين. ولدى السياسي الشيعي للإصرار على أن الشيعة محرومون ومهضومو الحقّ من النظام اللبناني ومن المسيحيين والسنّة. ثم قوي الوعي لديهم بمظلومية الجنوب الشيعي وسط الهجمات الإسرائيلية، وهبَّ كلّ من النظامين الإيراني والسوري للنجدة، وكلٌ بحسب مصالحه وأهدافه. ورسالة الحزب الحالية في لبنان وسورية والعراق: إما السيطرة وإما الخراب أيها العرب!

منذ السبعينات ما عادت طائفةٌ لبنانية تستطيع ممارسة الاعتدال والتحزب للدولة فقط وعدم شهر السلاح على أحد والوفاء للعيش المشترك والعروبة غير أهل السنّة، ولذلك قُتل ثلاثةٌ من رؤساء الحكومة، ومات اثنان في المنفى، والقتلة دائماً من متطرّفي وراديكاليي الطوائف الأُخرى!

بعد الطائف ما كان يمكن للتوازن الوطني أن يكونَ قوياً يحظى برضا الأطراف الرئيسية؛ لأنّ الجوار السوري كان مسيطراً على الداخل اللبناني بعسكره ومرتهناً للاستقرار. أمّا الأُمور الأُخرى فكانت كلها مدعاةً للاختلال، ومنها استخدام لبنان في استمرار الصراع مع إسرائيل، واعتبار الطائفة الشيعية احتياطه الاستراتيجي، والقبول بالتشارك في ولائها مع إيران، إلى أن صار كلٌّ من لبنان وسورية تابعين لإيران بعد قيام الثورة على بشار الأسد عام 2011، وأولاً وثانياً وثالثاً استبعاد كل الموارنة الأقوياء من الحياة السياسية واستخدام الزعانف من سائر الطوائف المسيحية.

الرئيس رفيق الحريري أخذ بصدره كلَّ هذه الاختلالات، وحاول بالسياسة وبالإعمار، وبالمبادرات المتعدّدة الأطراف، وبعلاقاته القوية مع السعودية والعرب والعالم، أن يحقّق بعض التوازُن بين إرادة الغلبة السورية، ومقتضيات الأمن والمصلحة اللبنانية. هل كان هناك بُعْدٌ ثالثٌ في سياساته المعتدلة والواسعة، وهو الصلاحيات التي حصل عليها رئيس مجلس الوزراء بمقتضى الطائف ودستوره؟ ربما كان يحسب حساباً لذلك في خلفية رأسه كما يقال، لكنّه ما مارس تلك الصلاحيات، أعني صلاحيات رئيس السلطة التنفيذية، ولو مرةً واحدةً، وأحسب أنه ما كان يستطيع ذلك لو أراد أو حاول، لأنّ رئيس مجلس النواب حليف سورية ما كان ليقبل ذلك، ولا رئيس الجمهورية الذي كان الأسدان يدّعيان احتضانه بحجّة صَون حقوق المسيحيين ولو من فوق الدستور، الذي ما أرادت أكثر الأطراف السير في تطبيقه! وقد شاهدتُ عن قُرب، وخلال حوالى العقد ونصف العقد، أنّه عندما كان يتعسّر على الحريري أمر في مجلس الوزراء أو في العمل الحكومي اليومي، فقد كان يلجأُ للاعتكاف في دارته، أو يطلب موعداً من الرئيس الأسد. وفي الغالب فإنّ الأسد الأب كان يُرضيه بنصف حلّ عن طريق نائب الرئيس خدام، أما في عهد الابن فما كان يستطيع حتّى الحصول على موعد!

مقتل الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 كان دليلاً على بلوغ الاختلال السياسي بداخل لبنان ومن حوله إحدى ذُراه، بعد غزو العراق وإعدام صدام حسين، وموت الملك فهد وموت الملك حسين وموت أو اغتيال ياسر عرفات .

في الوعي السنّي فقد كان ذلك ضربةً قاصمةً لدورهم في المعادلة الوطنية. ما وعيتُ عهد الرئيس رياض الصلح ولا مقدار زعامته. لكنْ في مساحة وعيي منذ سبعينات القرن الماضي، ما عرف السنّة اللبنانيون (وربما السوريون) شخصيةً سياسيةً احتلّت وعيهم كلَّه مثل رفيق الحريري، منذ وفاة جمال عبد الناصر عام 1970. بيد أنّ وعي وهمّة المسيحيين والدروز، وقد كانوا يشعرون بالتهديد أيضاً وبخاصةٍ في زمن رئاسة بشار الأسد، حوَّل الصدْمة إلى فرصة تجلّت في الحشد الهائل يوم 14 آذار 2005. كان هناك هدفان مباشران: إخراج السوريين من لبنان، واستعادة التوازُن الوطني. وما كان المقصود معاقبة الحزب أو الشيعة على احتفالهم بالسوريين يوم 8 آذار، أي بعد مقتل الحريري. وقد كنّا وقتها نحسب أن بشّار الأسد انفرد بتنفيذ الجريمة. بل إنّ قادة 14 آذار سارعوا لعقد “التحالف الرباعي” مع الثنائي الشيعي لخوض الانتخابات النيابية عام 2005، بحسبان ذلك مقدمةً لمجلس نواب وحكومة للنهوض الوطني والوحدة الوطنية في عهدٍ للاستقلال والحرية بعد النير السوري الطويل. وعلى نفس الوتيرة جرى التفكير بمحكمة دولية لاكتشاف قتلة الحريري ومحاكمتهم بعيداً عن الفتنة التي يمكن أن تحدث بالداخل لو تصدّى القضاء اللبناني الضعيف للقضية. ونعرف الآن من مذكرات الدكتور عبد العزيز خوجه، سفير المملكة العربية السعودية في لبنان آنذاك، كم كان حسن نصر الله معارضاً للمحكمة الدولية لقتلة الحريري بأي طريقةٍ كانت. وهكذا ففي حين ظلت قوى 14 آذار، وبينها سعد الحريري وفؤاد السنيورة ووليد جنبلاط، حتّى بعد احتلال الحزب لبيروت بالسلاح في 7 أيار عام 2008، تُراهنُ على الحلّ السياسي الوطني؛ فإنّ الحزب كان يتقدم بخُطىً متسارعة لحكم لبنان بالقوة والسلاح، وبما هو أفظع من التحكّم السوري أيام الرئيس حافظ الأسد. فمنذ العام 2008، ومن طهران، جرى الإعلان عن محور المقاومة وتحالفها وضمنه العراق وسورية وحزب الله في لبنان، والحركات الجهادية الفلسطينية. ثم في العام 2015 أعلن الإيرانيون بدون تردّد عن السيطرة على أربع عواصم عربية: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء!

قبل انتخابات العام 2009 بشهرين، زارني صحافي من المجلة الألمانية Der Spiegel على موعد، وبدون طول كلام، أخبرني أنّ القرار الاتهامي للمحكمة الدولية سيصدر والمتهمون فيه بتنفيذ جريمة الاغتيال أربعة أو خمسة أعضاء في حزب الله، واثنان منهم مسؤولان بارزان في الحزب. وكما يقال بالدارجة اللبنانية: تخرسنتُ لأكثر من دقيقتين. وليس من الذهول، بل لأنني صدّقتُ فوراً، دون أن أستمرّ في الإصغاء للرجل وهو يشرح لي حيثيات المقال الذي سينشره في المجلة عن الموضوع. وفي نهاية الجلسة طلبتُ من الرجل أن يصوّر لي على تلفوني نسخة عن المقال، ووعدتُه بعدم الحديث عنه حتّى يُنشر بالمجلة.

لماذا صدّقت؟ لأنه خلال أربع سنوات توالت الاغتيالات لسياسيين ومثقفين وكُتّاب وإعلاميين، ولا مُتَّهم غير الحزب. ولذلك أيقنتُ أنّها سلسلة بدأت برفيق الحريري، بل بمروان حمادة، ولن يُنهوها إلاّ بكسر روح المقاومة والسيطرة بالفعل على البلاد. والطريف أنّ الصحافي الألماني إيّاه اتصل بي بعد الانتخابات التي انتصرت فيها قوى 14 آذار، عندما كان سعد الحريري يفاوض على تشكيل حكومته الأولى وقال لي بفظاظة: لا تُسرُّوا كثيراً بالانتصار، فلن تجري انتخاباتٌ أُخرى ولو بعد عشر سنوات إلاّ عندما يكون الإيرانيون واثقين من الانتصار فيها!

كلّ هذه القصّة الطويلة كان الهدف منها العودة إلى تقييم قيادة سعد الحريري للسنة ولـ14 آذار بين 2005 و2011 عندما أسقط الحزب حكومته الأولى. فرغم الأحداث البارزة جداً، ما اعتبر أحدٌ منّا الحريري مسؤولاً عن الانتكاسات، لأنّ قيادة 14 آذار كانت جماعية (وأبرز قادتها وليد جنبلاط)، ولأنّ السنيورة كان رئيساً للحكومة، وقد حقّق بدعمٍ من 14 آذار والسعودية ثلاث إنجازات: صمد في وجه الثوران الشيعي على الحكومة بقصد إسقاطها، وأقرّ بمعاونة السعودية والعرب والمجتمع الدولي المحكمة الدولية، إلى جانب إدخال الجيش إلى الجنوب تعاونُهُ القوات الدولية بحسب القرار الدولي رقم 1701 بعد غيابه عن المنطقة منذ العام 1978؛ وهذا كله رغم الطابع الأسطوري الذي اكتسبه الحزب نتيجة حرب العام 2006 مع إسرائيل.

أسجّل لسعد الحريري قياديّته في انتخابات العام 2009، والتي جعلته زعيماً للسنّة بالفعل دونما اكتفاءٍ بالاعتماد على تراث والده السياسي

والقريبون من المشهد فقط هم الذين أحسّوا بالصدمة للموقف المتخاذل لكل ٍ من سعد الحريري ووليد جنبلاط من احتلال حزب الله لبيروت عام 2008 وما نجم عن ذلك من ذهاب الآذاريين وبينهم الحريري والسنيورة وجنبلاط للاجتماع مع خصومهم في الدوحة بقطر. وقد سجَّل الاجتماع صيرورة الحكومات بعدها رهينةً لدى الحزب وعون (سمّى الرئيس السنيورة حكومته الثانية: الحكومة المقيّدة!)، وبعد الحكومات رئاسة الجمهورية (2016)، ومجلس النواب (في الانتخابات عام 2018). لكن وعلى الرغم من الترديات المتعاقبة، وأخطاء التفاوض والحوار وسياساتهما، والتنازلات التي لم تُقابَلْ بمثلها؛ أُريد أن أسجّل لسعد الحريري قياديّته في انتخابات العام 2009، والتي جعلته زعيماً للسنّة بالفعل دونما اكتفاءٍ بالاعتماد على تراث والده السياسي.

بعد أن أسقط الحزب حكومة سعد الحريري عام 2011، ما عرف الجمهور السنّي، بل والوطني اللبناني غير الانتكاسات، والتي كان الرئيس الحريري يقابلها بالتنازل وتقديم المبادرات التي تُزيلُ بالتدريج الفواصل بين الدولة والدويلة المسلَّحة، وتجعل رئاسة الحكومة مكسر عصا لمن هبَّ ودبّ!

تحطُّم جبهة 14 آذار بعد خروج وليد جنبلاط أولاً عام 2009 بعد الانتخابات المنتصرة

أول الأمور التي يتحمل فيها سعد الحريري المسؤولية، لكنْ ليس وحده: تحطُّم جبهة 14 آذار التي خرج منها وليد جنبلاط أولاً عام 2009 بعد الانتخابات المنتصرة، وذكر ثلاثة أسباب: الخوف من هجوم الحزب وبشار الأسد على الدروز وعلى حياته، وتخلّي السياسة الأميركية في عهد أوباما عن دعم استقلال لبنان وقوّة الدولة فيه، والاختلال الاستراتيجي الذي يعاني منه العرب بعد تقدّم النفوذ الإيراني الفتاك في لبنان وسورية والعراق وغزة. وإذا كان الحريري لا يتحمل المسوؤلية الأولى في خروج جنبلاط، فهو أيضاً لا يخلو من المسؤولية لأنه ذهب بعدها إلى سورية الأسد مراتٍ عدّة للمصالحة – التي فشلت بالطبع – وقال بعدها إنّ السعوديين هم الذين طلبوا منه ذلك. ولم تنجح المحاولة لأنّ الأسد كذب على الجميع وصار يعمل عند الإيرانيين.

التحطّم الآخر كان خروج الدكتور جعجع من الجبهة، لأنّ الرئيس الحريري رشّح خصمه سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية

أما الأمر الآخر في التحطّم، فكان خروج الدكتور جعجع من الجبهة، لأنّ الرئيس الحريري رشّح خصمه سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية. لكنْ قبل الترشيح الغريب من جانب الحريري دون تشاوُرٍ مع الحلفاء، كان جعجع قد خاض مفاوضات طويلة مع عون، وأيّد مشروع القانون الأرثوذكسي للانتخابات، القائل إنّ كلّ طائفة تنتخب ممثليها لمجلس النواب، ثم أعلن في اجتماعٍ بمعراب مع عون ترشيحه لرئاسة الجمهورية!

وثاني الأمور التي يتحمّل فيها سعد الحريري المسؤولية، لكن لوحده بمعزلٍ عن الحلفاء وعن رجالات السنّة والوطنيين الآخرين، هو مغادرته البلاد على مدى أربع سنواتٍ بعد إسقاط حكومته من جانب الحزب عام 2011. وقد أقام خلالها في المملكة، وكان يمضي لباريس ثم يعود. وخلال تلك السنوات العصيبة، التي تضاهي في طولها ولؤمها طواعين القرون، انفجرت الثورة السورية، التي سُررنا بها جميعاً، ومضى حزب الله ليقاتل إلى جانب بشّار الأسد، وتدفّق اللاجئون المرعوبون على المناطق السنية في لبنان، وعملت كل الأجهزة الأمنية اللبنانية ضدّ شبّان السنّة المتحمّسين للثورة بزجّهم في الاعتقال والتعذيب، بل وبإغرائهم وتوريطهم للذهاب لمساعدة الثورة ثم إعادتهم جثثاً. وقد حصلت تشققاتٌ وجوائح انكسارات في صفوف السنّة المتذمّرين والمخيّبين في صيدا وعرسال وعكار والبقاع الأوسط والغربي، مع استمرار الفتنة التي غذّاها الحزب والنظام السوري بين طرابلس وضاحيتها العلوية، والتي سقط فيها مئات القتلى. في تلك الأحداث الهائلة شعر الجمهور السنّي أنّه وحده. وكنّا نزور الحريري ونطلب منه العودة ونطلب ذلك من السعوديين، فيقولون لنا إنّ القرار بيده. وكانت كل الأمور تُحسم بالتلفون من غزو صيدا بحجّة إخماد تمرّد أحمد الأسير، وإلى الحرب الضروس ضدّ عرسال، وإلى التنازع مع سعد الحريري طوال ثلاث سنواتٍ للضغط على صديقه قائد الجيش لعزل مدير مخابرات الجيش في طرابلس الذي كان يدير الفتنة هناك.

فبعد سجن مئات الشبان بحجّة أنّهم يخالفون مبدأ النأي بالنفس بالذهاب إلى سورية (!) دخل ألوفٌ السجنَ بتهمة الإرهاب، وما يزال نصفهم فيه إلى اليوم. وخلال تلك السنوات العصيبة أيضاً تابع الحزب عمليات الاغتيال فقتل اللواء وسام الحسن رئيس شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، كما قتل الوزير محمد شطح. وعلى الرغم من ذلك كلّه ما عاد الحريري إلى بلاده وجمهوره مصدِّقاً قول الجنرال عون إنّ ذهابه كان One Way Ticket. وعندما أعلنت المحكمة الدولية أخيراً عن قرارها الاتّهامي، وقف الرئيس الحريري على بابها وأعلن عن استعداده للتعاون لحفظ الوطن والمواطنين، وما قال كلمةً ضدّ القتلة، ولا التفت إلى مشاعر جمهوره باعتبار أنّ العبارة السخيفة: “ربط النزاع”، كافية لتسويغ الذلّ كله!

عون يقول منذ عشرين عاماً وإلى اليوم إنّ السنة هم الذين أكلوا حقوق المسيحيين بالطائف وشبابهم كلهم إرهابيون، ولا طريقة لاستعادة حقوق المسيحيين إلاّ بالقوّة التي يمتلكها الحزب، ومن ضمن تحالف الأقليات

المحطة الثالثة والأخيرة في مسيرة أهل السنّة والوطنيين مع سعد الحريري كانت سنوات القرن الثلاث (2016 – 2019) عندما قرّر وحده ترشيح الجنرال عون لرئاسة الجمهورية. بعد أن اتّخذ الرئيس الحريري قراره الخطير هذا جمعنا على مستويات شتّى: المستشارين، وأعضاء الكتلة في مجلس النواب، وأعضاء المكتب السياسي، وأخيراً مجموعة من وجهاء السنّة. وفي كل هذه الاجتماعات كرّر التبرير بأمور عدّة: الاختلال الاستراتيجي (الذي ذكره لي لأوّل مرّة وليد جنبلاط بالدوحة بقطر عام 2008)، وخلوّ منصب رئيس الجمهورية لمدة عامين ونصف العام، وذلك يوشك أن يُطيح بالطائف والدستور ويهدم الجمهورية، وأنّ البقاء خارج الحكومة يوشك أن يخرجنا من السلطة والمعادلة الوطنية، وأنّ سيطرة حزب الله تزداد وتتفاقم وبخاصة بعد انتكاس الثورة السورية بالتدخل الروسي؛ ولذا فإنّ التحالف مع المسيحي القوي يمكن أن يعين على إحداث شيءٍ من التوازُن.

وفي كلّ مرةٍ كان واحدٌ من الحاضرين يتدخل بدءًا بالبند الأخير أو التبرير الأخير بالقول: لكنّ عون هو مرشح الحزب منذ العام 2007، فكيف سيتعاون معك من أجل التوازُن وهو مَدينٌ للحزب بمنصبه وليس لك فضل عليه إلا من حيث الشكل ولتكملة العدد. ثم إنّ عون يقول منذ عشرين عاماً وإلى اليوم إنّ السنة هم الذين أكلوا حقوق المسيحيين بالطائف وشبابهم كلهم إرهابيون، ولا طريقة لاستعادة حقوق المسيحيين إلاّ بالقوّة التي يمتلكها الحزب، ومن ضمن تحالف الأقليات! وكان الرئيس الحريري يصمت أو يقول: “دعونا نجرّب!”. وكان كثيرون يجيبونه: هذا الأمر لا يجوز فيه ولا عليه التجربة ولا المغامرة، وهو يشكّل إزالةً بالقوّة لموقع رئاسة الحكومة – وليس لموقع السنة – من مجال التأثير في المعادلة الوطنية!

وأصرَّ الحريري ومضى وحده رغم معارضة تسعين بالمائة من السنّة. وعزّى بعض المعارضين لخيار الحريري نفسه وزملائه بطريقتين: أنّ التغيير الوطني أو الدستوري لا يحصل إلا بتوقيع أهل السنّة عبر زعمائهم وهم لن يوافقوا على الإخلال بالدستور أو بسلام البلاد وسلامتها ودولتها. والطريقة الثانية: أنّ التسوية حصلت وهي كارثة، لكنّ إدارتها على نفس الدرجة من الأهمية، ولن نسمح لسعد ولا لغيره أن يُخلَّ بسلامة الإدارة التي تحفظ صلاحيات رئيس السلطة التنفيذية بحسب الدستور، وتؤمّن نصاب أهل السنة في القرار الوطني وفي الوظائف العامة. لكنّ كوارث الاختلال في إدارة التسوية استمرّت وتفاقمت ودائماً بموافقة وتوقيع رئيس الحكومة، وأحياناً باقتراحه، وعلى طريقة: الفيل يا ملك الزمان! ومن ضمنها حرب الجرود وقانون الانتخابات الذي كان أسوأ من مشروع القانون الأرثوذكسي، والتعيينات في الوظائف العامة، والإنفاق الهائل على الفساد والهدر وعلناً باسم حصّة هذه الطائفة أو تلك. وإلى آخِر جلسة في حكومة الحريري الثانية بعد أن شاع خلافه مع باسيل،ِ وافق الحريري على صرف المليارات لباسيل على الكهرباء، وأزال سيدةً محترمةً كانت مديرةً لوكالة الأنباء الوطنية، لصالح موظف كان يطالب به باسيل منذ أكثر من سنتين! وليس من ذلك أنّ تصرّفات الحريري الكارثية كانت تمرّ دونما اعتراض، وليس من جانب المعارضين فقط، بل ومن جانب أشدّ أنصاره حماسةً.

أخرجْتُ نفسي من دائرة الرئيس الحريري منذ منتصف العام 2017. لكنّ ما أعرفه عن وقائع تجاهُل سعد الحريري لصلاحياته، وتجاهله لأدبيات الوظيفة العامة، وتجاهله لمصالح طائفته ووطنه، لا يمكن سرده وتغطيته بأقلّ من ثلاثين صفحة فولسكاب

فكما لم يصوّت لعون عام 2016 أناسٌ كبارٌ ونافذون من أنصار الحريرية السياسية، مثل الرئيس فؤاد السنيورة والوزير ونائب رئيس مجلس النواب السابق فريد مكاري، والوزيرين السابقين أحمد فتفت، فكذلك اعترض على قانون الانتخابات النيابية الفظيع، وصوّت ضدّه في مجلس النواب، وزير الداخلية نهاد المشنوق، القريب جدّاً من الحريري يومها، والذي كان يقع على عاتقه تطبيق القانون الآنف الذكر. وصف المشنوق القانون وقتها بأنّه قانون قابيل وهابيل! وما التفت الحريري، طوال ثلاث سنوات، لأيّ من الآراء أو التساؤلات من جانب أنصاره العاتبين أو معارضيه الساخطين.

أنا لا أعرف كّل ما حصل من سوء الرأي وسوء الإدارة من جانب باسيل والحريري وشركائهما، لأنّني أخرجْتُ نفسي من دائرة الرئيس الحريري منذ منتصف العام 2017. لكنّ ما أعرفه عن وقائع تجاهُل سعد الحريري لصلاحياته، وتجاهله لأدبيات الوظيفة العامة، وتجاهله لمصالح طائفته ووطنه، لا يمكن سرده وتغطيته بأقلّ من ثلاثين صفحة فولسكاب، كما يقال! ووقتها، وبعد آخر اجتماع لي مع الحريري بالسراي، وقد اتفقنا على ألّا نلتقي بعد ذلك، ذهبتُ إلى الصديق نهاد المشنوق، وكان وزيراً للداخلية وقلتُ له حزيناً: كنتَ دائماً تقول لي إنّهم وإن امتلكوا العصبيات والسلاح، فنحن نملك القلم ولن نوقّع، والنتيجة، ونحن في الثلث الأوّل من المسار الأسود، وقّعنا على كل شيء!

لقد بدأ العمل المنتظم والمنسَّق لإخراج السنّة والوطنيين من المعادلة الوطنية بالاغتيالات التي استمرّت بين العامين 2004 و2013، وباحتلال بيروت عام 2008

ووقتها أيضاً، وفي منتصف عام 2017 أيضاً، كتبتُ المقالة “الوداعية” للحريري التي قلت فيها: إنّ الرجل يتّسم في سلوكه السياسي والإداري بأربع صفات: التفويت، الذي يؤدي إلى سوء التقدير، وسوء التقدير الذي يؤدي إلى سوء التدبير، وسوء التدبير الذي يؤدي إلى التواطؤ. وفي كثيرٍ من الأحيان يحرق الحريري المراحل ويدخل في التواطؤ رأساً على مصلحته ومصلحة منصبه ومصالح البلاد والدستور.

لماذا فعل ويفعل كلَّ ذلك؟ بالفعل لا أدري ولا المنجِّم يدري!

وأخيراً وعندما أُخرج الحريري من رئاسة الحكومة بمخامرة عون وباسيل والثنائي الشيعي كتبتُ المقالة الوداعية الثانية بعنوان: آهات الحسرة بعد خراب البصرة!

كل هذه “البطولات” التي أرويها عن نفسي وغيري لا تفيد. لقد تأخّرتُ كثيراً جداً في الخروج، وتأخّرتُ كثيراً في البحث عن البدائل. لقد بدأ العمل المنتظم والمنسَّق لإخراج السنّة والوطنيين من المعادلة الوطنية بالاغتيالات التي استمرّت بين العامين 2004 و2013، وباحتلال بيروت عام 2008. ولكي أكون صادقاً ما فكّرتُ في مغادرة ركْب ابن الحريري حقاً إلاّ في العام 2015 أثناء الحروب على طرابلس وصيدا وعرسال ومجدل عنجر وغيرها وغيرها. لكنّه أمرٌ دخلْتُ فيه عام 1993 وكان صعباً عليّ تغيير الاتجاه وبخاصةٍ أنّني لستُ سياسياً محترفاً، ولا نجاح بل ولا تبصُّر إلاّ بالتفرّغ والاحتراف!

نحن اليوم، أعني أهل السنّة في لبنان، خارج المعادلة الوطنية. والمعادلة التي أُخرجنا منها تعني الإسهام في الحفاظ على الدولة واستقلالها، وعلى وحدة اللبنانيين، وعلى المدنية التي كان لنا نصيبٌ جليلٌ في بنائها

فالاختلالات كبيرةٌ وكثيرةٌ وقاهرة في كلّ المشرق العربي، ويستطيع المرء الخروج من عمله أو مهنته، لكنّه لا يستطيع الخروج من جلده. ولذلك فقد كان المنطقيّ، وبدون خصوماتٍ وأحقادٍ، ومن طريق الثقة بالناس وبالوطن وبالعرب: البحث عن بدائل لدى السنّة وفي المشهد الوطني الأوسع، وهو أمرٌ لم يحصل من جانبي في الوقت المناسب، ولا عزاء أنّه لم يحصل أيضاً من جانب أحدٍ غيري! لقد اعتبرت أنّني أدّيتُ قسطي للعلى بترك سعد، وباستنهاض حركة المبادرة الوطنية مع الدكتور فارس سعيد، لكنّ الترك تأخّر، وما كان كافياً لا في التقدير ولا في التأثير!

نحن اليوم، أعني أهل السنّة في لبنان، خارج المعادلة الوطنية. والمعادلة التي أُخرجنا منها تعني الإسهام في الحفاظ على الدولة واستقلالها، وعلى وحدة اللبنانيين، وعلى المدنية التي كان لنا نصيبٌ جليلٌ في بنائها، وعلى قرار السلم والحرب، وعلى الوظيفة العامة في الدولة، وعلى عروبة لبنان وشرعياته الثلاث، وأولاً وآخِراً على هذه “اللُّحمة” بين الناس التي اشتهرنا بأنّنا نحن إيّاها.

نحن لا نُسهمُ الآن في أيٍّ من هذه المقومات بالقدر المطلوب أو الكافي. ولو كان الإسهامُ مُتاحاً ومؤثراً لما دخلت البلاد في عهد الجمهورية الثالثة، جمهورية الإفلاس والفساد والسلاح الحزبي، والحشر في المحور الإيراني الميمون! وقد أخرجنا منها “التحالف بين الأقليات”، وهو هنا: الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر. وكلا التيارين قائم على أيديولويجا ومصالح أو مصالح تُبرَّرُ أيديولوجياً. حزب الله يعمل عند إيران التي تريد مدَّ سطوتها على المشرق العربي، وإذا لم يكن ذلك ممكناً بوهج السلاح فليكن بالسلاح نفسه الذي خرّب العراق وسورية.. ولبنان. وتيار الوزير باسيل صراعه معنا ليس على فكرة الدولة فقط، بل وعلى جمع الغنائم من خرائبها. وكما لم يعد الحزب بعد ثلاث سنواتٍ فقط محتاجاً للحريري الابن فأخرجه مثلما أخرج الأب، لكنه هذه المرة ذبْحٌ بالريشة كما يقال، فهو لم يعد بحاجةٍ أيضاً إلى الرئيس وصهره، لأنه يريد السيطرة المطلقة المنفردة. وهذا ليس همّنا الآن، وإنما الهمُّ مصير الوطن والدولة. وماذا يستطيع كلٌّ منا أن يفعل حتّى لا يهاجر شبابنا، وحتّى لا يستنصر المسلحون بالإفقار كما فعل الأسديون بسورية، وللاستمرار في حكمنا، وحتّى لا تندلع النزاعات المسلحة من جديدٍ على أرضنا وناسنا.

المطلوب للمحكمة الآن هو الحزب نفسه. فقد أعلنت المحكمة الدولية الخاصة بالتحقيق في مقتل الرئيس رفيق الحريري، أنّها ستُصدر حكمها في منتصف أيار المقبل، أي بعد شهرين

ربما ما كان سعد الحريري ليستطيع مواجهة كل هذه التحديات. لكنّه كان يستطيع أن يكسر قلمه ولا يستخدمه في الإعانة على الهدم لما قام به الآباء والأجداد. وعلى أيّ حال، لا حاجة لاستدعاء إدانة سعد الحريري، ولا استدعاء توبته أو مواهبه الدولتية!

إنّ المطلوب للمحكمة الآن هو الحزب نفسه. فقد أعلنت المحكمة الدولية الخاصة بالتحقيق في مقتل الرئيس رفيق الحريري، أنّها ستُصدر حكمها في منتصف أيار المقبل، أي بعد شهرين. ويكون علينا، رغم صعوبة الظروف، ووعياً بحتمية انتصار العدالة، أن نتوجَّه للتجمع من حول بدائل وطنية وعربية ودولية.

لا تهمني ردّة فعل سعد الحريري على حكم المحكمة. أما نحن، السنّة والوطنيين الآخرين، فينبغي أن نحشد ونتظاهر وندعو إلى مقاطعة الحزب وإخراجه من الحياة الوطنية وإسقاط العهد القوي!

نحن السنّة، ونحن اللبنانيين، نستطيع أن نفعل ذلك كما فعلناه من قبل بالمبادرة والشجاعة وفتح الآفاق، وبكلّ ذلك عُرفنا عبر مائةٍ وخمسين عاماً. ولنتذكر الثوابت العشر (1983)، والطائف (1990)، والشهداء منذ العام 2004، ودورنا في نهوض 14 آذار، وكفى بالأَجَل حارساً!