//Put this in the section
راجح الخوري

عُراة أمام كورونا! – راجح الخوري – النهار

في الحروب يهرب الناس الى الملاجىء، بعدما أعلنت جائحة كورونا حربها القاتلة والصامتة على كل العالم، والتي لا يعرف أحد متى يمكن وقفها، هرب العالم كله الى الملجأ المنزلي، فأمر اليوم في الكرة الأرضية “إلزموا منازلكم” ، طبعاً بإستثناء المدعو ستانلي جونسون والد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الذي يقول “لا لن أحجز نفسي سأذهب الى الحانة”. لا يبدو الأمر غريباً قطعاً اذا نظرنا قليلاً الى تصرفات ولده بوريس والى شعره الذي يثير طبعاً غيرة شعر دونالد ترمب !

لكنه كورونا أيها السادة يواصل زحفه ويواصل رفع الغطاء عن كثير من طبائعنا وعاداتنا، المغايرة لكوننا نتمتع بصفات إنسانية وبشيء من الحضارة، ولا بد ان كلاً منكم شاهد فيلماً لمريض يسقط ارضاً يتلوى من الألم يختنق، والمارة يقفون على مسافة ثلاثة أمتار، يتفرجون ويلتقطون الصور، أنه الخوف من عدوى مميتة ولكن أليس من صراخ، أليس من أسى من دموع؟. ربما من إبتعد هارباً أكثر أنسانية من الواقف يراقب فصول الموت إختناقاً، يا للهول، فعلاً يا لهذا الوحش المختبيء في داخل كل منا!




هل شاهدتم تعقيم الطرقات، متى يتم تعقيم خطوات المسيرة الإنسانية، هل شاهدتم تعقيم مقرات الحكومات والمجالس النيابية بالمبيدات، ولكن متى يتم تعقيم القرارات السياسية، وتطهير البيانات الحكومية وقرارات الوزراء، ومتى يتم تعقيم العقل السياسي الذي يحكم الناس !

لا تتصوروا أنني اتحدث عن لبنان السعيد فقط، أتحدث عن حكومات العالم، ليس لأن تاريخ العالم حافل بالحروب والقتل والموتى والمآسي، بل لان العالم لم يتعلّم شيئاً من تاريخ حروبه وما حفر من القبور. ها هو كورونا يعرّينا جميعاً، نقع في الذعر وأحياناً في الوحشية. في إيطاليا أيضاً يتم إرسال المسنين المصابين الى حتفهم المؤكد، لأن الإمكانات لا تسمح سوى بمحاولة إنقاذ الأقل سناً.

إندره دودا رئيس حكومة بولونيا أرسل كل أعضاء حكومته الى الحجر الصحي لأن وزير البيئة إلتقط العدوى، هل تتذكرون كم من الشعوب تصلي لكي تذهب حكوماتهم الى الحجر، وربما الى ما هو أسوأ لمجرد سوء تصرف الحكومات، وسوء الوحش الكامن في كل نفس بشرية.

الحكومة الإيرانية أفرجت عن 85 ألف سجين لأن السجون المكتظة ليست حجراً صحياً ويمكن ان تتحول الى تابوتاً كبيراً. ماذا عن لبنان وغير لبنان، ولكن الأعمق بالمعنى الفلسفي ما العقاب الأقسى، ذلك الذي يصدره القضاة على المحكومين والمجرمين، ام ذلك الذي تعود الطبيعة مرة جديدة لتقرره على المجرمين في السجون وعلى الإبرياء ومنهم الأطفال في الحياة!

ولعل هذا يقودني بكثير من المرارة الى السؤال: أوليست الحياة نفسها نوعا من العقاب، لأنها تبدأ أساساً بحكم صادر عليها سلفاً، وهو الموت. ولهذا نقول عادة الموت حق، وبهذا المعنى الا تكون كورونا حق يختار ضحاياه عشوائياً وبالظلم الفظيع. حتى المصافحة ممنوعة فكيف بتبادل القبل عند الشباب المتيّمين، وكيف عن النسل، فهل ضاق صدر الطبيعة بهذه المليارات من الناس الذين يعبثون بها؟

حتى فتاة جيمس بوند الفرنسية الرائعة أولها كوريلينكو في الحجر الصحي، وبالتأكيد هو هارب منها، فكورونا جعل كل شيء بالمقلوب ونحن في بداية الفيروس… والحديث!