//Put this in the section
سمير عطا الله

المافيا… لا النظام – سمير عطاالله – النهار

طوال عملي المكتبي في الصحافة، لازمت “القسم الخارجي”. أي الأخبار العربية والدولية. ومن الاخبار، كانت مهمتي الجزء الدولي، احررها واترجمها كل يوم. ولم اكن من النضوج بحيث ادرك أننا نراقب العالم، من برج ذهبي صغير. يوم نترجم اخبار الفظاعات في الكونغو كما رسمها قبل قرن جوزف كونراد في “قلب الظلام”، ويوم يسقط حكم تروخيو في الدومينيكان، كما سوف يرسمه ماريو بارغاس يوسا بعد نصف قرن في “حفلة التيس”. ويوم يهبط الاسترليني في لندن ويتعرق 10 داوننغ ستريت خجلاً وقلقاً. ويوم يبوّل طلاب فرنسا على قبر الجندي المجهول تحت قوس النصر، ويوم تحرق اميركا الفيتنام بقنابل النابالم، ويوم يظهر في كمبوديا مختل دموي يدعى بول بوت، ويحوِّل العاصمة بنوم بنه الى معرض جماجم، مصفوفة الى جانب بعضها البعض مثل قالب حلوى.

تلك، كانت صور الخارج. أما هنا، في الداخل، فعلى مئة متر فقط، يقوم مبنى البنك المركزي، حيث يجلس الياس سركيس في مكتب صغير، بلا اجنحة، يحرس بكل تواضع وخلق، سعر الصرف في صحيفة الصباح 2,15 قرشاً للدولار. وقريباً منه، في رئاسة الحكومة ووزارة المال، الأفندي رشيد كرامي. وفي دائرة واحدة تقريباً، في سن الفيل، آخر تلامذة بشارة الخوري، وآخر امناء فؤاد شهاب، واقرب سياسيي الشرق ثقافة الى شارل ديغول، شارل حلو.




من “القسم الخارجي” في “النهار” بدا لبنان في جنوب المتوسط كما كانت تبدو حواضره الثقافية ايام أثينا وروما. حديقة من السعادة والثقافة والعلم. ميناؤه الجوي باب الى الغرب، وميناؤه البحري بوابة الى الشرق.

استقرار وازدهار وحياة. وكأنما لتكملة الصورة تُوّجت جورجينا رزق ملكة جمال الكون. وذلك قبل ان يتحول هذا (أي الكون) الى “مؤامرة كونية” ضد التيار. الذين لا يؤمنون بنظرية المؤامرة، وتدخلات الجان وسطوة القوى المعوقة والمعرقلة، ليس عليهم سوى مراجعة الصورة الماضية واسعار الليرة عند الفتوح والأغلاق. وللمشككين نقول، اجل..اجل، لا تزال تسمى الليرة. وفي الاعلانات إنها “عملتنا” مثلنا مثل اي بلد مستقل، صدف واغلقت بنوكه ومرافِؤه، لاسباب خارجة على ارادة الجميع.

اسأت استخدام التعبير “الفني”. قلت أغلقت”، والمقصود “علِّقت”، كما في ترنيمة فيروز في الجمعة الحزينة (روم وكاثوليك واقليات) ” اليوم علِّق على خشبة”. كل شيء معلّق. الديون معلقة. الموارد معلقة. المستشفيات معلقة في زمن المرض، فكيف في زمن الوباء. ووزارة الثقافة معلقّة بذيل وزارة الزراعة. وحكومة الاختصاص ماضية في انقاذنا جميعاً.

اين تبدأ؟ بالمسألة الأكثر الحاحاً: تغيير النظام، لكننا نتمنى على الرئيس دياب ان يروِّقها قليلاً في هذه الحالة الكارثية من الاخطار القائمة والمحيقة. هناك الف اولويّة وأهميّة وعجلة قبل البدء في الغاء النظام الاقتصادي. يا دكتور لم يستطع ماركس ولا لينين ولا القديس فرنسيس الاسيزي حل النظام الاقتصادي بين البشر. المسألة هنا ليست التوحش الرأسمالي، ولا اخفاق الاشتراكية، إلا في النموذج الاسكندنافي. ليس النظام من اخفق، بل المافيا التي سطت عليه وجردته من أصوله وحوَّلته شركة احتكارية بالتكافل والتراضي والخِسّة السوقية الباطلة. باطل الاباطيل كل شيء باطل.

في ظل هذا النظام، كان سعر الصرف 2,15 قرشاً للدولار. ولبنان مستشفى الشرق وطبيب العرب وجامعتهم ومتنفسهم ومدرستهم التجارية ووكيلهم العمراني. ليست المافيا من ارسل اميل البستاني يبدأ حركة العمران في الخليج. ولا هي من ارسل رالف بستاني يفتح 70 فرعاً لمدرسة الشويفات. ولا هي من اقام المسرح العبقري. إن النظام الحر المنصوص عليه في الدستور هو الذي بنى لبنان، الذي فتكت به المافيات وتناهشه ازلامها، قدماؤهم ومستحدثوهم.

باقتراح من اول رائدة فضاء في العالم، سوف يتمكن فلاديمير بوتين من ان يجدد لنفسه حتى 2036. كلاهما من الزمن السوفياتي، هو، والرفيقة فالنتينا تريشكوفا. العادات لا تتغير بسهولة. باقتراح صغير الغى بوتين كل معالم الديموقراطية في النظام. وببراعة لا مثيل لها، استغلت الصين النظام الحر وابقت التنظيم الشيوعي. لكن الذي نقلها الى هذا الموقع المذهل، هو ضبط جشع المافيات وتوحشها وفظاظتها.

اكتسحت المافيا الولايات المتحدة، فحاربتها، لكنها لم تغير نظامها بسبب “آل كابوني”. واودعت النصّاب مادوف السجن، لكنها لم تغير النظام المصرفي. هذا البلد لا معنى له إن انت حذفت الحرية من دستوره ووجوده وإعلامه.

لم يساوم الياس سركيس احداً من اجل اي كرسي من الكراسي. لا الرئاسة ولا حاكمية المصرف ولا اي لقب آخر. وفي الحاكمية، كما في الرئاسة، لم يساوم على تجديد أو تمديد أو وصول. ومثل فؤاد شهاب قبله، لم يمس “الكتاب” ولا سلَّمه الى مزوّر او مغتصب. غريب ان يبدأ الرئيس دياب بالنظام بينما شركة الكهرباء على بعد كيلومترين منه ولا يأتي على ذكرها. غريب أن تتحدث دول “سيدر” والبنك الدولي وكل خبير فرد أو مؤسسة عن الكهرباء، ولا ينتبه اليها رئيس الحكومة.

أن النظام على الورق شيء مثالي. وقد كان اقتصاد هذا البلد الصغير مذهلاً بين دول المنطقة من مصر الى سوريا مروراً بالعراق. وفي ظل هذا النظام صمد ملايين اللبنانيين والمقيمين. واستطاع لبنان ان يكون جزءاً من منظومة عالمية تتبادل المصالح والمكاسب وصد البطالة والفقر. وكان العمال العرب والآسيويون يجدون فرصهم عندنا. أما الذي ضرب الاقتصاد ونشر البطالة والفقر، فهو السلوك المافيوي وتعامل السلطة السياسية مع البلد كانه حرث لها ولجماعتها ولدائرة الفتاوي في مكتب التبرير والانكار والحجج السقيمة.

لا يلام رئيس الحكومة، ولا حكومته، على المصائب المزمنة كالزبالة، والكهرباء، والبنوك، والبطالة، والسرقات الموصوفة، وانهيار كل علاقة لنا بالعالم العربي، وتدهور علاقاتنا بسائر المنظومة الدولية. ولعل وزير الخارجية ناصيف حتي يرمم شيئاً مما حُطّم على جبين لبنان من أناءات الديبلوماسية العاقلة التي كانت تحمي مصالح اللبنانيين في ديارهم وفي ديار الله. فيكون جورج نقاش (أو فيليب تقلا) سفيراً في باريس، ونسيب لحود سفيراً في واشنطن، واسعد الاسعد سفيراً لدى الجامعة العربية.

لا بد من اعطاء الحكومة فرصتها. ولكن بدءاً من تبسيط الاولويات. لا مكان للترف النظري، فيما لبنان مكبَّل بالكوارث ومحاصر بالعدميات والنوافل. ولم يعد ممكناً ادارة شؤون الدولة وكأنها فرع حزبي. لقد لامست المسألة عمق الوجود.