//Put this in the section
مروان اسكندر - النهار

من المسؤول عن وضعنا؟ – مروان اسكندر – النهار

بداية لا بد من التشديد على ان أسوأ ما نعانيه كلبنانيّين فقدان الثقة بلبنان، ومؤسّساته، أوّلاً السياسيّة وبعدها الماليّة والاقتصاديّة.

اللبنانيون يملكون في الخارج ما بين حسابات مصرفية وموجودات عقارية وأسهم شركات لبنانية متعولمة، ما يزيد على مئة مليار دولار، وهم حولوا الى لبنان عام 2008-2009 ما يزيد على 24 مليار دولار بدل الاستمرار في حصر موجوداتهم النقدية في المصارف السويسرية والبريطانية والاميركية والفرنسية، ولم نسمع عن احتجاجات من تلك المصارف على سحوبات اللبنانيين أو محاولات لاعاقتها.




اليوم اللبناني العادي الساعي الى اكتساب الرزق في الخليج العربي، أو القارة الافريقية، أو كندا والولايات المتحدة لا يحول أموال المساعدات إلى عائلته أو أقاربه في لبنان، بل ينتظر فرصة السفر بسلام الى لبنان لكي يوفرها لهم.

لماذا الثقة بلبنان وقوانينه ومؤسساته صارت مفقودة؟ لقد كنا نتباهى بفاعلية قطاعنا المصرفي وحرية تحويل الأموال وتسلّمها. وكانت الميزانية المجمّعة للمصارف اللبنانية تقرب من 170 مليار دولار قبل سنتين وكان هذا الرقم يبدو سحريًا للبناني العادي، علماً بأن بنك قطر الوطني وحده يحوز 240 مليارًا، وأن ميزانيّة البنك الاهلي السعودي تفوق ما هو موجود لدى المصارف اللبنانية.

تبخر الثقة بسرعة وتحويلات اللبنانيين وغيرهم الى الخارج تجاوزت خلال سنتين الـ12 مليار دولار، والتحويل من والى كان دائماً من مزايا الاقتصاد اللبناني والمصارف اللبنانية.

الاقتراحات المطروحة لا تعزز الثقة. فمقياس الثقة هو حجم التحويلات الى لبنان وتجاوزها لحجم التحويلات من لبنان، اما لايفاء قروض سابقة وارباح متحققة، وإمّا لتغطية تكاليف الاستيراد وأهم عناصره يتمثل في مشتقات النفط، والذي يبلغ حسب اسعار النفط والمشتقات ما بين ستة وسبعة مليارات.

الثقة لن تسترد بسهولة لأن الفريق الحاكم وبصورة خاصة “التيار الوطني الحر” بدد الثقة بسياساته على صعيدين:

أولاً: المطالبة بتحويلات لمصلحة كهرباء لبنان لتغطية تكاليف المشتقات ومن بعد أجور البواخر وقد بلغت بين 2010 و2019 استناداً إلى دراسة الدكتور منير يحيى 33.9 مليار دولار، وهو كان سابقًا عضوًا في مجلس ادارة مصلحة كهرباء لبنان، حينما كان هذا المجلس يتقيد بالنصوص والقوانين، واضافة الفوائد إلى كل التحويلات بمعدل 6.5 في المئة تؤدي الى كلفة لتوفير جزء من امدادات الكهرباء تفوق الـ52 مليار دولار أو نصف الدين العام، تضاف الى ذلك كلفة امدادات المشتقات لاصحاب المولدات الخاصة التي اصبحت طاقتها تفوق طاقة معامل الانتاج حتى بعد احتساب طاقة البواخر.

وزير الطاقة لسنوات النائب جبران باسيل قدم شرحًا لاوضاع الكهرباء غير مقنع، واستند الى ضرورة توازن مشاريع الانتاج بين المواقع المسيحية والاسلامية، وهذا كلام غير مقنع لاي متتبع لتطورات تقنيات انتاج الكهرباء وتوزيعها في المانيا وانكلترا – حيث المعايير فنية وغير سياسية – وتركيز الوزير السابق على سلعاتا، لان الموقع على البحر ويسهل استيراد الغاز بسفن قادرة على تحويل الغاز الطبيعي الى غاز سائل، تستوجب استئجار هذا النوع من البواخر بكلفة تفوق اضعافًا مضاعفة كلفة البواخر الحالية.

يعلم الوزير باسيل ان محطات الانتاج كانت تبعد عشرات الكيلومترات عن مواقع الاستهلاك، وكانت بعض المواقع البسيطة مثل شركة كهرباء نهر ابراهيم، أو شركة كهرباء جبيل وحتى قاديشا تسدّ النقص.

وأكثر ما يحيّر في شرح وزارة الطاقة انجازاتها أن ما انجز خلال توزير جبران باسيل، خطة الطاقة، والواقع ان من انجز خطة الطاقة عام 2008 كان الوزير محمد فنيش، وكانت تشتمل على الاصلاحات التي يطالب بها البنك الدولي منذ عام 1996، ووزارة الطاقة في اشراف الوزير باسيل منذ العام 2009 لم توفر أي دراسة اجمالية وتبقى شؤون الطاقة السبب الاساسي للهدر وانعدام الثقة. ومن أعجب الامور ان رئيس الوزراء أهمل في أول تصريح مهم له عن شؤون البلد مشكلة الطاقة وقال إنّه سيحقق وفرًا على مستوى 400 مليون دولار، وهذا لا يكفي دولة الرئيس، فالعجز، دون احتساب تكاليف التجديد لمعامل الانتاج أو توسيعها، كان يقارب ملياري دولار سنويًا.

بعد مشكلة العجز المستمر للكهرباء، والتغاضي عن عقود كانت توفر كامل هذا العجز من شركات كهرباء دولية كشركة سيمنز أو شركة كهرباء فرنسا، ننتقل الى السبب الصادم لغالبية اللبنانيين من أصحاب الايداعات الصغيرة، وهم الأكثر عددًا، وأصحاب الحسابات المتوسطة، وأخيرًا اصحاب الحسابات الكبيرة الذين لا يتجاوز عددهم نسبة 1 في المئة من المودعين.

المصارف لا تملك ما يعادل ودائع الناس، والمصرف المركزي الذي تصدى بنجاح لمشكلة “بنك المدينة”، والذي يعالج حاليًا نتائج التعدي الواضح على “جمال تراست بنك”، لا يتمتع بموارد مالية ضخمة لمعالجة المشاكل المصرفية.

وحديثاً بدأنا نقرأ بيانات غير موقعة القصد منها الدفاع عن المصارف وربط شؤونها وشجونها بالمصرف المركزي. والواقع الحقيقي هو ان رؤساء مجالس ادارات بعض أكبر المصارف تجاوزوا صلاحياتهم والقوانين وأقروا التزامات لا حق لهم فيها. كيف نفسر التزام “بنك عوده” توفير قرض لفرد يفوق الـ320 مليون دولار لشراء أسهم في مصرف آخر، والقانون يمنع ذلك، وتالياً حجب “بنك عوده” هذه الأموال عن حاجات المودعين وليس هنالك من يحاسب؟

وكيف لـ”بنك بيروت” ان يساهم في اصدارات “اليوروبوندز” بمبلغ يفوق ضعفي رأس ماله ويضطر الى تسويق نسبة 10 في المئة من توظيفه لتأمين مصلحة بعض المودعين، وكيف لرئيس “بنك بيروت” ان يدعي أن ايداعات الزبائن محفوظة؟

“سيدروس بنك” الذي هو مصرف يتمتع بإدارة حديثة بعدما اشترته مجموعة لبنانية قبل سنتين أو ثلاث، حينما كان اسمه “ستاندرد تشارترد بنك”، أقدم على استثمار نسبة 220 في المئة من رأس ماله في سندات “اليوروبوندز”، ومنذ اقدام ادارته على ذلك وإلى حين تحقيق حصيلة “اليوروبوندز” لا مجال للقول إنه يحافظ على ودائع زبائنه.

لقد بتنا نسمع ان هنالك توجهاً إلى تحميل اصحاب الحسابات الكبيرة، وغالب هؤلاء ممن كرسوا سنوات للعمل والسعي في الخارج، نسبة ملحوظة من الدين العام. وكيف نسمح لمصرف أصبح مفلسًا بالفعل بتقبل ودائع لستة اشهر بمعدل فائدة على الدولار يساوي 11.6 في المئة ونتساءل أين سيوظف هذا المصرف المتعثر ايداعات كهذه، وكيف له ان يحفظ حقوق المودعين؟

ان طمع بعض رؤساء مجالس ادارة مصارف كبيرة أو متوسطة أو مبتدئة في العمل المصرفي هو السبب الرئيسي للازمة المصرفية، أما الأزمة المالية فتحمل تبعتها سياسة الطاقة التي اهملت صيانة محطات الليطاني الثلاث التي تنتج 190 ميغاوات لتسهل عملية استئجار البواخر التركية بطاقة 250 ميغاوات وحتى تاريخه ليس لوزارة الطاقة خطة مدروسة كما بينا اعلاه.

لقد ساعد استمرار الهدر في وزارة الطاقة ضعف الاشراف على التوازن بين الواردات والنفقات من اللجنة النيابية التي يفترض ان يقوم أعضاؤها بدراسة وافية، لكن المعرفة المالية والمثابرة على العمل، وقيادة رئيس يجهل قواعد المحاسبة العامة وينتمي الى “التيار الوطني الحر” أي ابراهيم كنعان هما اللّتان أوصلتانا الى تفاقم العجز، وندرج ارقام العجز السنوي المحقق بمليارات الدولارات:

يذكر ان رئيس اللجنة النائب ابراهيم كنعان أكد انه سيخفض العجز عام 2018 500 مليون دولار، فيكون العجز 2.77 ملياري دولار. واذا بالعجز يصبح 6.28 مليارات دولار.

كيف نتقبل وعدداً كهذه واداء كهذا، وكيف نتساءل عن اسباب العجز؟