//Put this in the section

أحكمت نفوذها على دمشق وعينها على بيروت.. روسيا تستغل حاجة لبنان وتغريه بمليار دولار

“وديعة روسية للبنان بقيمة مليار دولار”، هذا ما تبحث موسكو تقديمه لبيروت ضمن خطة روسية واسعة لتعزيز نفوذها بلبنان بعد أن حصل الروس على امتياز إنشاء محطة النفط في طرابلس شمال البلاد.

وأفادت مصادر مقربة من الحزب التقدمي الاشتراكي لـ”عربي بوست” بأن روسيا تتجه لدعم لبنان في ظل الحكومة الجديدة بوديعة بقيمة مليار دولار في المصرف المركزي.




وتضيف المصادر أن روسيا تفكر في العديد من مشاريع الدعم الروسي للبنان في ظل أزمته.

وتؤكد المصادر أن وليد جنبلاط التقى السفير الروسي في بيروت واستعرض معه مجموعة أفكار لدعم الاقتصاد اللبناني المتهاوي.

ويعد جنبلاط لزيارة عمل إلى موسكو خلال الفترة القادمة تحت عناوين عديدة.

كما أفادت تقارير إعلامية سابقة بأن نقاشاً بين رئيس الوزراء اللبناني حسان دياب والسفير الروسي في بيروت ألكسندر زاسبيكين قبل فترة بشأن احتمال تقديم روسيا قرضاً ميسّراً للبنان مدته 30 عاماً، وتتراوح قيمته بين 600 مليون دولار ومليار دولار، على أن تكون آلية صرفه خاضعة لمعايير شفافة وفي مشاريع واضحة تعود بالفائدة على الوضع الاقتصادي والمالي.

ويقول متابعون لهذا الشأن إن موسكو إن لمست جديّة في صرف هذا المبلغ في مكانه الصحيح، لا تمانع حتى بتحويله إلى هبة في السنوات المقبلة.

لكن يظل كل هذه الأموال في إطار الوعود والتلويحات، ولا يُعرف إذا تم تنفيذها فما هو الثمن الذي تريده موسكو.

جنبلاط حليف روسيا القديم، لكنه يتحسب لعودتها الجديدة

لكن حتى جنبلاط الذي بنى حزبه علاقة وثيقة مع روسيا منذ التحالف بين والده كمال جنبلاط والاتحاد السوفييتي، قلقٌ من آثار صعود النفوذ الروسي في لبنان، فهو ليس نفوذاً بريئاً تماماً.

الدخول الروسي للبنان يأتي هذه المرة من بوابتين، الأولى أنه حليف النظام السوري، وبالتالي فهو بمثابة حليف الحليف لقوى 8 آذار الحليفة للنظام السوري.

البوابة الثانية هي البوابة المسيحية لاسيما البوابة الأرثوذكسية.

أصبح مسيحيو 8 آذار خاصة التيار الوطني بزعامة عون بوابة محتملة كبيرة للنفوذ الروسي، بعد أن تباعدت المسافات بين هؤلاء المسيحيين والغرب جراء تأييدهم حزب الله والنظام السوري.

يعي جنبلاط تعقيدات العودة الروسية للبنان، إنه نفوذ يشبه  نفوذ القياصرة، نفوذ يقوم على حلف الأقليات في الشام وليس حلف المظلومين والثوار والتقدميين مثلما فعل الاتحاد السوفييتي مع والده ومع الفلسطينيين في الستينيات والسبعينيات.

ومع أن الدروز هم أقلية في لبنان والشام، إلا أنهم تحت قيادة جنبلاط ومن قبله والده كمال جنبلاط يرون أن عدوهم الفطري هو نظام الأسد الذي يؤمن جنبلاط بأنه قتل والده، كما أنه علاقته ليست على ما يرام مع عون وباسيل.

جنبلاط لا يتبنى خطاب روسيا والنظام السوري وحلفائه المُعادي للإسلام السياسي، يرى جنبلاط الخطر الحقيقي في عنف النظام السوري وطموحات الموارنة المبالغ فيها والذي قيل إنه وصفهم بأنهم “جنس عاطل“.

الحلم الروسي عمره أكثر من 500 عام

كان الحلم الروسي منذ الأزل هو الوصول للمياه الدافئة في الشرق الأوسط لما تمثله من نقطة التقاء بين الشرق والغرب ومكان جديد للتبشير الديني والسياسي.

تعتبر روسيا نفسها الوريث الشرعي للدولة البيزنطية في المنطقة، وأنها الأم الحنون للمسيحيين الشرقيين الذين باتوا أقلية وسط أكثرية مسلمة.

لذا فإن حضور روسيا في البداية اعتمد على المدارس التبشيرية والتي بدأت من جبل لبنان كبوابة للصراع الثقافي مع العرب والأتراك وفي مواجهة مع دول أوروبا.

جاءت اتفاقية سايكس بيكو وخروج موسكو مبكراً من الحرب العالمية الأولى ليقصيا الدولة الروسية عن لعبة تقاسم النفوذ.

باتت بريطانيا وفرنسا الخصم اللدود لروسيا مع العرب، لذا فإن المعركة اليوم هي استمرار لمعارك الأمس من منطلقات دينية وعرقية ومحاولات لكسب تكافؤ مع نفوذ واشنطن في ظل التراجع الغربي وغياب المشروع العربي.

لبنان وروسيا في زمن الحرب الباردة

كانت العودة الروسية للبنان خلال زمن الحرب الباردة مختلفة نسبياً.

الاتحاد السوفييتي الاشتراكي لم يكن حليفه الأساسي المسيحيين الأرثوذكس، ولكن القوى اليسارية والقومية وفي مقدمتها الفلسطينيون والدروز.

وعندما دخل لبنان تحت الحرب الأهلية وكانت سوريا بزعامة حافظ الأسد ترى نفسها الأقدر على الإمساك بمفاصل اللعبة الأمنية على الجغرافيا اللبنانية، لكن كانت لموسكو خيارات أخرى أحياناً.

قدمت روسيا حينها الدعم المالي والعسكري لأحزاب لبنانية كالحزب الشيوعي اللبناني والحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة آل جنبلاط وريثي الزعامة الدرزية بعد إنشاء لبنان الكبير.

كانت المعسكرات في ضواحي موسكو وقرى أوكرانيا والتشيك تفتح أبوابها للقيادات العسكرية للأحزاب اليسارية والاشتراكية لمواجهة اليمين اللبناني المدعوم من معسكر الغرب وإسرائيل حينها.

وكانت القيادات اليسارية تتوافد على موسكو لتقديم فروض الطاعة لتحالف غريب بين الشيوعية وفكرة حماية المسيحيين الأرثوذوكس.

نصف أطباء لبنان خريجو الاتحاد السوفييتي

ومع الدعم العسكري والميداني كانت روسيا تدرك أن جزء من معاركها المفتوحة في لبنان هي لعبة الثقافة والتعليم لذا فإنها فتحت أبواب جامعاتها للطلاب اللبنانيين لدراسة الطب، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه وبحسب تقرير نشرته نقابة الأطباء اللبنانية في عام 1995 فأن نسبة الأطباء الخريجين من الاتحاد السوفييتي بلغت 59% خلال 20 عاماً، ما يؤكد أن الدور الروسي في لبنان ليس وليد الصدفة.

ومع ذلك فإن التدخل الروسي في لبنان استفز خلال مرحلة الحرب الأهلية دول الغرب قاطبة فبدأت بدعم القوى اليمينية المسيحية كالقوات والكتائب وحزب الوطنيين الأحرار لتشكل معسكراً لصد الوجود الفلسطيني الذي تمثل في منظمة التحرير وحلفائها من قوى اليسار اللبناني.

العودة الروسية للبنان، تحقيق ما فشل فيه القياصرة والسوفييت

كان واضحاً منذ التدخل الروسي المباشر في سوريا أن شيئاً يتغير في اللعبة الدولية، بدا تدخل بوتين في سوريا فريداً من نوعه، لكنه ثاني غزو روسي رئيسي في بلاد المشرق منذ عام 1772، عندما احتل الروس بيروت لدعم علي بك الكبير، حاكم مصر المملوكي المتمرد على الدولة العثمانية.

مع الابتعاد الأمريكي والعربي عن لبنان بعد هيمنة حزب الله عليه، تزداد فرص موسكو.

وها هي اتفاقية الدولة اللبنانية توقع مع شركة “روسنفط” الروسية لتوسيع خزانات النفط في مدينة طرابلس شمال لبنان ومدتها 20 عاماً كامتياز حصري.

تأمل موسكو بأن يتيح وجودها العسكري التقني في المنطقة إمكانية إحياء خط أنابيب النفط من العراق، ما يؤسس لمرحلة إحياء الدور الجديد لها في لبنان.

هل باسيل مرشح بوتين؟

المفارقة أن مشكلة موسكو هي صراعات زعماء الطوائف اللبنانية.

منذ سنوات تحاول روسيا تقديم مبادرات لتعزيز حضورها في لبنان، عبر طرح مجموعة مساعدات عسكرية واقتصادية وغيرها على الحكومات المتعاقبة، وغالباً كانت تصطدم بطريقة التعاطي بين القوى اللبنانية مع هذه المبادرات، التي تتعرقل بسبب حسابات ومصالح شخصية وسياسية دفعت المسؤولين الروس إلى إبداء الانزعاج من طريقة بعض الأفرقاء في إدارة شؤون البلد، سواء عبر طريقة المقاولات والمحاصصة أو عبر التنافس ما بين الأحزاب لإثبات أنفسهم وجدارتهم لدى موسكو.

فعلى سبيل المثال حاول الوزير جبران باسيل الترويج لنفسه كمرشح حليف لموسكو لخلافة عمه ميشال عون في محاولة للقول إنه يمتلك تحالفات محلية وبانتظار كلمة السر الأمريكية التي تتيح له بالصعود لسدة الرئاسة.

أزعج أسلوب الزعامات اللبنانية القيادة الروسية مجدداً. وهناك مراجعات روسية في طريقة التعاطي مع الملف اللبناني، على قاعدة أن العلاقات يجب أن تكون من دولة لدولة، وليس بين روسيا وقوى تتصارع فيما بينها. وهذا ما عطل الكثير من برامج المساعدات الروسية، حسبما قالت مصادر لـ”عربي بوست”.

روسيا تلعب بملفات حساسة للبنانيين.. ملف النازحين وشراء للعقارات

أطلقت روسيا في عام 2018 مبادرة عودة النازحين السوريين إلى مدنهم بعد وقف الحرب وإعادة بسط سلطة نظام الأسد مدعوماً من القوات الروسية على الواقع في الجغرافيا السورية، تسابقت القوى السياسية اللبنانية على تبني تلك المبادرة على الرغم من الرفض الأوروبي لها، أعيد عدد كبير من النازحين حينها لكن المبادرة توقفت بحسب مصادر بسبب ضغوط أمريكية على لبنان ترفض عودة النازحين قبل الاتفاق على شكل المرحلة المقبلة في سوريا.

لكن يبقى ملف النازحين ورقة ضغط ستمارسه موسكو على لبنان لتحقيق مكتسبات في ظل الشكوى اللبنانية من خطر وجودهم وتوطينهم في الداخل اللبناني وانعكاساته على الديموغرافيا اللبنانية.

وأمام الامتياز الذي حصلت عليه الشركة الروسية لبناء خزانات النفط في طرابلس يبدو شيء غريب يدور في الأفق.

فبحسب مصادر سياسية تؤكد أن مجموعة من رجال الأعمال الروس بدأوا بشراء عقارات في الشمال اللبناني على الحدود السورية اللبنانية.

وبعيداً عن الأسباب يبدو أنه في ظل الانسحاب العربي والغربي، فإن روسيا تخطط لدور مرتقب في الشأن الداخلي اللبناني يبدأ من رعايتها للروم الأرثوذكس وتحالف ولا تنتهي في ملفات النفط والغاز، وفي ظل تنسيق متوقع بينها وبين إسرائيل كما تفعل في سوريا.