//Put this in the section
حنا صالح - الشرق الأوسط

لبنان: انهيار النموذج! – حنا صالح – الشرق الأوسط

لم تكن الصيغ الإنشائية التي ميّزت مطولة البروفسور حسان دياب لِتغير شيئاً من وقع القرار الحكومي الامتناع عن سداد سندات اليوروبوند التي استحقت في 9 مارس (آذار) الحالي. عدم الدفع كان الخيار الوحيد لأنه لا أموال لكي تُدفع، والحدث الذي يعني إفلاساً حقيقياً للبلد، رسم خطاً بيانياً لا يمكن تجاهله، وهو أنه في مستهل السنة الرابعة على ولاية الرئيس القوي، وعلى مسافة أيام من الاحتفاء بأن لبنان بات دولة نفطية (…)، وفي ظلّ الحكومة المشكّلة من مستشاري قادة الجهات الطائفية الحاكمة التي سمّيت زوراً «تكنوقراطاً» و«اختصاصيين»، تهاوت أكبر منظومة من الافتراءات، تبدأ من معزوفة «الليرة بخير» مروراً بمقولة إن «لبنان لم يتأخر يوماً عن سداد ديونه»، وإلى سردية الزعم أن «المديونية تحت السيطرة لأن الدين داخلي»!

وبدءاً من التاسع من مارس، يمكن للمؤرخين أن يدوّنوا أنه في هذا التاريخ وتزامناً مع المئوية الأولى للبنان حدث رسمياً انهيار نموذج اقتصادي بُني بين السلطة السياسية من جهة وبين المصارف والمصرف المركزي من الجهة الأخرى. تحكَّم هذا النموذج بالبلد طيلة ثلاثة عقود تلت الحرب الأهلية، فكانت الشاهد على النهب المتواصل لواردات الدولة، وكرسّت منحى اعتماد الاستدانة لتغطية الفساد والموبقات، وبلغ إجرام القوى الحزبية الطائفية التي تقاسمت السلطة بعد اتفاق الطائف حد السطو على القسم الأكبر من الودائع، ما أدى إلى إفقار البلد وتجويع أهله.




كان الإعلان عن الإفلاس مدوياً، فرئيس الحكومة الذي صادر واحداً من شعارات الثورة: لن ندفع… راح يُقرِّع الفساد، الذي كان «خجولاً» فـ«جريئاً» فـ«وقحاً» فـ«فاجراً» (!!) فيما يعرف القاصي والداني أن الفساد الذي عرفه لبنان له اسم هو لصوصية غير مسبوقة، ورغماً عن ذلك لم يتضمن الخطاب أي إشارة إلى اعتزام السلطة السعي لإحالة المتهمين بالفساد إلى القضاء لتدفيعهم ولو جزءاً من تكلفة الانهيار. ما يعني حماية كل الطبقة السياسية حتى بعدما فضحتها الثورة ووضعتها تحت المجهر، بتهمة الفساد والمسؤولية عن كل عمليات النهب، وأخرجت أركانها قسراً من الفضاء العام، فذهبوا إلى جحورهم، واختفت سياراتهم الفارهة وخلت المطاعم من دجلهم، وأنه رغم البلاغة في وصف الفساد لم يُتهم أحد، ومع هذا الأداء السياسي سيكون من الصعب رؤية ولو سياسي درجة ثانية أو مصرفي محال إلى القضاء للمحاسبة!

كانت المنهبة مُتقنة، إذ عمدت الطبقة السياسية والحكومات المتعاقبة ما بعد عام 1992 إلى تكريس سياسة الاستدانة، وتفاقم ذلك بعد عام 2005، حيث كانوا يأخذون أموال الناس (الودائع) لتستدينها الدولة، وتحول المصرف المركزي عن دوره إلى وسيط، فحققت الطبقة السياسية، التي تمتلك الحصص الكبيرة في أكبر 18 مصرفاً مع الكارتل المصرفي، وفق الخبير الاقتصادي سامر سلامة، 81 مليار دولار فوائد خيالية خلال 27 سنة، استُخدم جزء منها لرفع رأسمال المصارف، من نحو 400 مليون دولار في عام 1993 إلى 21 مليار دولار اليوم، واقتنوا الطائرات الخاصة واليخوت والقصور والملكيات في الخارج، ويقدر الخبير الاقتصادي د. توفيق كسبار الأرباح التي نقلوها إلى الملاذات الآمنة بنحو 25 مليار دولار. وعندما استُنزفت أموال الناس، رفض الكارتل المصرفي ضخ بعض أرباحه في صناديق المصارف لأنه تحول عن مهنته إلى مرابٍ، فانكشفت المصارف ووقعت في الإفلاس قبل نحو 4 سنوات.

كل الجهات الرسمية تعرف هذه الحقيقة وتتستر عليها، والكل يراهن على مزيد من الاستدانة! لكن تحت ضغط الثورة بدأت تظهر الصورة، فطالت المنهبة بنتائجها الكارثية الأكثرية الساحقة من اللبنانيين: إقفال ألوف المؤسسات التي طالها العجز ولاحقاً الإفلاس، وشملت البطالة مئات الألوف، ودهم الفقر ما بين 50 و60% من المواطنين بينهم ما لا يقل عن 20% باتوا تحت خط الفقر، فخرج الناس إلى الشوارع والساحات في ثورة كرامة أنجزت في أيامها الأولى أعمق مصالحة وحققت وحدة لم يعرف لها لبنان مثيلاً في تاريخه. واليوم يأتي من المسؤولين من يبشر المواطنين بسنوات صعبة وتدابير قاسية، أي ضرائب وجوعٍ فوق جوع، وإلا فإن الأصعب قادم لا محالة، وكل هاجس هؤلاء إبعاد التهمة عنهم وتحميل الكارثة لبعض شركائهم السابقين من أجل الإفلات من المسؤولية، ولاحقاً تدفيع العموم ثمن الانهيار، فتغيب كل إشارة جدية إلى السعي الفعلي لاستعادة بعض المال المنهوب، رغم تأكيدات الخبراء أن الموجودات كبيرة، ويتساءلون: لماذا يتم تجاهل مطلب نادي القضاة المسارعة إلى تجميد ألوف الحسابات والتحقيق بها، تطبيقاً للقانون 44 على 2015، ومحاكمة أصحاب الحسابات المشكوك فيها كي يردّوا ما أمكن من الأموال التي كدّسوها؟!

كل ما تقدم غاب عن خطبة الإعلان عن إفلاس البلد، أقله لأنه يرتّب على حكومة المستشارين مهام لا تريد التنطح لها، لكن الأخطر من كل ذلك أن البروفسور دياب بدا كأنه لم يصل إلى علمه أن أسباباً أخرى جوهرية عجّلت في الانهيار وأخذت البلد إلى الإفلاس، ولن نقول إنه يتعمد السير في النهج السابق بإخفاء الحقيقة عن الناس، وهي تلك المتأتية من مرحلة الاحتلال السوري ومفاعيله حتى استتباع إيران للبنان، من خلال الدور الذي يقوم به «حزب الله» ودويلته التي تغولت على الدولة منذ زمن بعيد، وبات يستأثر بحصة أساسية من الواردات العامة عبر الاقتصاد الأسود والاقتصاد الموازي الذي أنشأه ويتحكم بخط «تسهيلات» خاص في المرفأ والمطار وأكثر من 130 معبراً برياً!

واهمةٌ السلطة الفعلية الممسكة بالقرار، وأكثر منها وهماً حكومة المستشارين الذين ارتضى أعضاؤها أن يكونوا واجهة لقرارات ظالمة مجحفة، فالثورة التي تتسع أفقياً بعدما تجذرت في كل لبنان، أكدت المضي في المواجهة حتى إسقاط نظام المحاصصة الطائفي الفاسد، ووضع البلد على مسار التغيير السياسي الشامل الذي عنونته الثورة بضرورة إعادة تكوين السلطة وحددت معالم المرحلة الانتقالية وأهدافها. وبالطبع المسؤوليات كبيرة حتى تتبلور أدوات فعلٍ تزيد من تمكين الثورة، والمسؤولية كبيرة أيضاً في زمن تسببت فيه السلطة الفاسدة بانتشار الوباء «كوفيد – 19» (كورونا) بعدما رضخت لمطلب «حزب الله» إبقاء الأجواء مفتوحة مع إيران، لكن المظاهرة الحاشدة في مدينة صور الجنوبية قبل أيام وجهت رسالة واضحة عندما أعلنت («كورونا» وراءنا والإفلاس أمامنا والثورة ستلاحقكم أيضاً وستقضّ مضاجعكم في زمن «كورونا»).