//Put this in the section

بين السطور وخلف الكواليس – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

في عام 1978؛ وتحديداً في جامعة رولينز بولاية فلوريدا، خلال حفل تخرج الطلبة الذي أقيم مساءً بعد انتهاء دوام الزوار في «ديزني وورلد»، ألقى ضيف الشرف هنري كيسنجر الكلمة الرئيسية، وكانت المرة الأولى التي يذكر فيها مسؤول أميركي بارز مصطلح «النظام العالمي الجديد»، قبل أن يستخدمه جورج بوش في خطابه الشهير خلال رئاسته.

قال كيسنجر وقتها إن النظام العالمي الجديد، سيبدأ فور سقوط الاتحاد السوفياتي، وقال ذلك قبل 11 عاماً من سقوط حائط برلين ومعه المعسكر السوفياتي كله، علما بأن كيسنجر استخدم مصطلح «النظام العالمي» بعد ذلك عنواناً لأحد أبرز كتبه. وهناك اليوم رأي مهم يعتقد أن ما يحدث في العالم من تفاعل وتداعيات أزمة العالم مع انتشار فيروس «كورونا» الجديد، تمهيدٌ لواقع «جديد» تماماً مثلما حدث قبل ذلك في أعقاب أحداث «الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)»، وانطلاق الحرب على الإرهاب والتغيير التام في أنماط السفر والمدفوعات والإفصاح ومعايير الأمان، والانطلاق الفعلي لحقبة نهاية سيادة الدولة وخصوصية الأفراد، وأصبحت المعلومات كافة؛ الشخصية والعامة، «متاحة».




واليوم هناك حجر جديد يضاف للبناء. تجهيز البنية التحتية لقاعدة المعلومات الصحية لمواطني العالم كافة والدول التي يعيشون فيها، ومعرفة مكامن القوة والضعف فيها، وذلك استعداداً لمرحلة حروب الفيروسات وما سيأتي معها من مؤسسات وتجهيزات وقوانين وأنظمة، تماماً مثلما حدث في حقبة الحرب على الإرهاب.

هناك رأي آخر يرى أن ما يحدث هو أشبه بـ«علاج الصدمة»؛ في إشارة لتوصيف عالم الاقتصاد الأميركي ميلتون فريدمان، الذي كان دائماً يقول إن الاقتصاد الذي يدخل في دهاليز الأزمات والركود يكون بحاجة ماسة للعلاج بالصدمة العنيفة لكي يستفيق وينهض مجدداً، وهو معنى مشابه لما أشارت إليه الكاتبة الأميركية نعومي كلاين، عندما أطلقت على ما يحدث في هذه الحالة اسم «اقتصاد الكوارث» في كتابها المشهور «عقيدة الصدمة».

وهناك رأي يرى أن الصين خدعت العالم بفيروس «كورونا» المستجدّ، لأنها تمكنت من تجميع 25 مليار دولار في أيام معدودة استثماراتٍ دوليةً في شركاتها التي باتت «رخيصة» في قيمتها السوقية، وبالتالي جاذبة ومغرية للمستثمرين، كذلك كانت للصين فرصة الاستثمار في الشركات الغربية بأسعار مغرية.

النظام العالمي الجديد، حسبما يتم الترويج له، هو حكومة واحدة ونظام واحد، مما يعني القضاء الممنهج على جميع المؤسسات والهيئات الجامعة، كالأمم المتحدة (مقابلها الاتفاقيات خارج نظامها)، ومنظمة التجارة العالمية (مقابلها الإجراءات الحمائية)، و«أوبك» (الاتفاقيات والإنتاج الحر)، وغير ذلك من الأمثلة اللافتة والمهمة المطروحة؛ منها: هل هناك إعادة هيكلة اقتصادية تحدث في العالم الآن بحيث يتم الإحلال التام للاقتصاد القديم وإنشاء الاقتصاد الجديد بكل شروطه ومؤسساته؟ وفي خضم الأسئلة المطروحة وتغير وضع سوق النفط، هل سيتغير سعر صرف الدولار مع عملات الدول المنتجة للنفط المربوطة به؟ السؤال يبدو منطقياً لأن السعر الاقتصادي حتماً سيكون غير المالي. نشهد مشهداً جديداً من انحسار الخصوصية الشخصية وتقلص سيادات الدول وسط «خطر شمولي»، وهو مقدمة لما قد يكون آتياً، أو كما سماه أحد المعلقين في تحذير ساخر: «استعدوا للعادي الجديد».

«كورونا» المستجدّ فيروس اختبر جاهزية العالم، ولكن البنية التحتية المعتمدة من عزل دول ومناطق، وحظر السفر، والحصول على بيانات صحية في غاية الخصوصية، هي من صفحات كتاب لم يجرؤ جورج أوريل على كتابته ولا توقعه.