//Put this in the section

لبنان يرزح تحت أرقام خسائر فادحة

سلوى بعلبكي – النهار

“يا رب لا اطلب منك رد القضاء بل اللطف فيه” دعاء لطالما ردده المؤمنون في دور العبادة وأطلقوه مناجاة لرب العالمين في أيام المحن والسوء. ففي ظل تراكم الازمات والفساد وضعف الدولة وانهيار الاقتصاد والليرة وانكفاء الغرب والشرق كما العرب عن رعاية معتادة للبنان المأزوم بالولادة، وفي زمن مئويته الأولى التي كان ينبغي الاحتفال بها في ظل دولة ذات سيادة كاملة وقيادة واعية واقتصاد مزدهر، يحل بديلاً وباء الكورونا، ضيف غير مرغوب فيه في الزمن الخطأ والتوقيت غير الملائم، ليحيد الأنظار عن تعثر الدولة والمالية العامة وتآكل قيمة الليرة وانكفاء الحكومة عن تسديد استحقاقات الاوروبوند، ناهيك عن الرعب المنتشر بين الناس و”زرب” العائلات في المنازل وإقفال دور اللهو والمطاعم والمقاهي ومعظم سبل الترفيه والتسلية بالإضافة الى المدارس والجامعات. وكأنه لا يكفي لبنان هذا ظلم مسؤوليه وفسادهم وتخاذلهم وجشعهم واستهتارهم ومماحكاتهم السخيفة، ليأتي ظلم الطبيعة يكمل هدم ما تبقى من اقتصاد أقوى ما فيه يعمل بنصف راتب أو من دونه، ونصف دوام إذا لم يكن قد أقفل بعد، وحافة الانهيار بالكاد تتسع لجميع القطاعات التي تحتشد عند بابها، متهالكة مأزومة ومفلسة، اللهم اذا استثنينا دور العبادة والمزارات الدينية التي تزدهر فيها كعادة أبناء الشرق في الحروب والملمات صناعة الدعاء والتبرك والتضرعات للشفاء والحماية من الوباء والعوز.




الكورونا القشة التي قصمت ظهر الاقتصاد!

حتى الآن يبدو تأثير “كورونا” محدودا برأي وزير الاقتصاد والتجارة راوول نعمه “حتى أن تأثيره اقل من الدول الأخرى التي تعاني من انتشار فيروس الكورونا، إلا أن التوقعات للأسف تشير الى أن التأثير سيرتفع مع تزايد الإجراءات المتشددة التي ستتخذ والتي ستكون مضرة للاقتصاد، خصوصا أنها تترافق مع الأزمة الاقتصادية التي تمر فيها البلاد”.

وصرح لـ “النهار” أن الاجراءات المتشددة الجديدة ستؤثر على القطاعين العام والخاص، بما سينعكس على خدمات القطاع العام للمواطنين، كذلك ستنخفض عائدات المطار وتاليا عائدات شركة طيران الشرق الأوسط. اما بالنسبة للقطاع الخاص فإن انتاجيته ستخف حتما”.

وهذا الامر أكده رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس الذي أكد أن “وباء كورونا يضرب اقتصادات كبرى مثل الاقتصاد الاميركي بدليل أن المؤشرات المالية تدهورت وتراجعت بأرقام غير مسبوقة منذ سنوات طويلة، حتى أن المصرف الفيديرالي اضطر لأن يخفض الفوائد الى مستويات قريبة من الصفر، وتاليا يمكن أن يبشر كورونا بمرحلة الركود الاقتصادي عالميا”.

وقال “الاقتصادات المزدهرة سيصيبها الركود، فما بالنا بإقتصاد منكوب كالاقتصاد اللبناني الفاقد المناعة كليا أمام هذا المرض، بما يضع القطاعات الانتاجية بحجر صحي وفي مقدمها القطاع التجاري الذي تراجع منذ تشرين وخصوصا قطاعات الكماليات بنحو 75 الى 80%”. ولاحظ شماس أن “الكورونا” ضرب الحياة الاجتماعية في لبنان وامتد الى التسوق والاستهلاك بسبب الخوف من انتشاره خصوصا وأنه يتم التعامل مع هذه الآفة بطريقة غير منظمة، بما سيخفض حتما نسبة النشاط التجاري والاقتصادي الى 5% وهي مستويات قريبة من الموت الاقتصادي السريري”. واذا كان القطاع التجاري اصابه الجمود فإن القطاع الصناعي لم يتأثر كثيرا بسبب “الكورونا”، لا بل ثمة منتجات لبنانية زادت مبيعاتها وخصوصا تلك التي تشمل أدوات التنظيف والتعقيم وصناعة الكمامات، وفق ما يقول رئيس جمعية الصناعيين فادي الجميل لـ”النهار”.

لعل أبرز القطاعات المتضررة من انتشار فيروس كورونا هو القطاع السياحي الذي زاد الطين بلة على مصائبه المتراكمة منذ ما قبل ثورة 17 تشرين الاول وخصوصا القطاع الفندقي الذي كانت لا تتعدى نسبة الاشغال فيه الـ 10% في فترة الثورة وبأسعار متهاودة جدا، وفق الأمين العام لاتّحاد المؤسسات السياحية جان بيروتي لـ “النهار”. فالقطاع السياحي الذي كان في امكانه أن يكون المحرك الأساسي للإقتصاد كونه يدخل نقدا خارجيا بطريقة سريعة، أصابه “الكورونا” في المقتل، “علما أننا لا يمكن وضع اللوم على طرف معين، إلا أن ما وصلنا اليه كانت نتيجة السياسات الخاطئة، اضافة الى ما أصاب القطاع نتيجة الكورونا”. وأشار الى “ان المؤسسات السياحية تأخذ أقصى درجات الاحتياط علها تستطيع الخروج من هذه الأزمة بأقل أضرار ممكنة”. ولكن الامل الوحيد الذي يعول عليه بيروتي لموسم الصيف هو ما أثبتته التقارير بأن “مادة الكلور التي تضعها المؤسسات السياحية والنوادي في المسابح تقتل فيروس الكورونا بما يخفف من حجم المصيبة الرازحة تحتها هذه المؤسسات”.

أما الخسائر في القطاع فيقدرها بيروتي بنحو 700 مليون دولار حتى آخر سنة 2019، و700 مليون دولار أيضا في الاشهر الثلاثة الاولى من 2020، ويقول “الخسائر جدية ويتحمل تبعاتها الموظف أكثر من رب العمل… خصوصا وأن غالبية الموظفين يعتمدون على “البقشيش” من الزبائن”. ويضيف “هذه الاوضاع لم يشهدها القطاع السياحي حتى في عز الحرب، ونصلي كي تنتهي أزمة كورونا قبل فصل الصيف، لكي يكون في إمكاننا تعويض ما خسرناه هذه الفترة”.

وتطاول الازمة ايضا الشقق المفروشة ولكن بنسبة أقل عن القطاع الفندقي وفق نقيبها زياد اللبان الذي يشير الى أن القطاع في العناية الفائقة منذ أكثر من 5 أشهر، إذ لا تتجاوز نسبة الاشغال فيه بين 20% و30%، فيما انخفضت الاسعار بين 60 و65%”. ويشير الى أن أصحاب الشقق المفروشة يتقاضون من الزبائن بالعملة اللبنانية وبالسعر الرسمي للدولار، علما أن غالبيتهم من جنسيات عراقية وسورية يأتون الى لبنان بهدف العلاج ويحملون معهم العملة الصعبة، إلا أنهم يرفضون الدفع الا بالليرة”.

لا يختلف وضع الفنادق والشقق المفروشة عن وضع المطاعم، إذ يؤكد نقيب اصحاب المطاعم طوني الرامي أن “كورونا” شكل الضربة القاضية للقطاعات الانتاجية كافة ومن بينها القطاع المطعمي الذي يتقيد بالتوصيات التي وضعتها النقابة حيال “المحافظة على روادها وتقديم الخدمة والنوعية الجيدة وسلامة الغذاء”.

في القطاع لسياحي يبرز كازينو لبنان كأكثر المؤسسات السياحية تضررا منذ بدء “الثورة” مرورا بأزمة المصارف وصولا الى “زمن الكورونا” خصوصا وأن عمله يعتمد على الكاش. ويؤكد المدير العام للكازينو رولان خوري “أن الحركة بدأت تتراجع تحديدا منذ موسم الحرائق حيث “الغينا المؤتمر الصحافي الذي كان مخصصا للاعلان عن الحفلات التي سنقيمها، ومن ثم جاءت الانتفاضة واقفال الطرق المؤدية الى الكازينو، ومن بعدها جاءت أزمة المصارف و”الكاش” الذي اصبحت نسبته لا تتجاوز الـ 20% بين أيدي الزبائن. ثم جاء فيروس كورونا ليحد من اقبال الزبائن، “علما أن الكازينو يقوم بإجراءات وقائية وتعقيم على مدار الساعة لكل الآلات وطاولات اللعب، اضافة الى أننا نستعين بآلات تسحب كل الفيروسات من الصالات، مع فحص حرارة لكل الداخلين الى الكازينو من موظفين وموردين وزبائن”. وكشف أنه إبان الثورة تراجعت الايرادات بين 40 و50%، وانخفضت منذ أول السنة نحو 30%، وفي الأسبوع الاخير هبطت الايرادات بشكل حاد”.

وإذ تفهم الخوف من أن “الكازينو مكان مكتظ ويمكن أن ينتقل الفيروس بين الناس بشكل أسرع”، استغرب كيف” أن الحملة الاعلامية مركزة على هذا الصرح، فيما مئات محال الميسر غير الشرعية لا تزال تعمل من دون ضوابط ولا مراقبة صحية”.

يؤكد المعنيون في القطاع السياحي أنهم سيلتزمون كل القرارات التي ستصدر عن المراجع الرسمية انطلاقا من حسهم الوطني ومسؤوليتهم حيال المجتمع، شرط أن يكون القرار شاملا وينطبق على جميع المؤسسات والقطاعات.

“الميدل ايست” خسائر يومية!

ما أن انتشر “كورونا” حتى اتخذت الكثير من الدول اجراءات عدة ومنها وقف الرحلات الجوية من والى الدول التي صنفت موبوءة ومنها لبنان، لذا كان من البديهي أن تعلق شركة طيران الشرق الأوسط – الخطوط الجوية اللبنانية رحلاتها من والى هذه الدول ومنها السعودية و الكويت وقطر حتى إشعار آخر، كما تم تقليص عدد الرحلات الى ايطاليا ليصبح عددها رحلتين اسبوعيا الى كل من روما وميلانو وفق ما قال لـ”النهار” رئيس قسم الاستراتيجيات والتحالفات التجارية في الشركة الدكتور وليد أبي اللمع “كي نلبي حاجة السوق خصوصا مع وجود الكثير من اللبنانيين في ايطاليا”.

وتعليق الرحلات الى الكويت والسعودية وقطر رتب خسائر على الشركة في الايام الثلاثة الماضية نحو 265 ألف دولار يوميا، ولكن مع حسم التكاليف التي كانت تتكبدها الشركة يصل المبلغ الى 90 ألف دولار يوميا. أما الخسائر التي تتكبدها الشركة جراء تخفيض عدد الرحلات الى ايطاليا ودول أوروبية (الترانزيت) فتقدر بـ 20 ألف دولار يوميا”. ولا تقتصر خسائر الشركة على “كورونا”، فقد تسببت “الثورة” بخسائر قدرت نسبتها 40% في تشرين الثاني 2019، و30% في كانون الأول 2019، و30% في كانون الثاني 2020 وشباط 20%، وفق أبي اللمع.

“كورونا” الضربة القاضية للاقتصاد

بحسب المعطيات العلمية أخذ فيروس كورونا (CORVID-19) منحى توسعيا حيث تشير التحاليل إلى أن إحتمال تفشي الفيروس في بيئة معرضة قد تصل إلى أكثر من 50%!، هذا الأمر يعني أن الفيروس تحول إلى وباء والمخاوف التي تراود الخبراء أن يتم عزل مناطق بكاملها قبل أن تصبح مناطق منكوبة إذا لم يتم إكتشاف علاج والسيطرة على الوباء.

ولاحظ الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان، أن التباطؤ والركود كانا سمة الاقتصاد اللبناني، واليوم مع “كورونا” خفت الحركة السياحية بشكل ملحوظ، ومن المؤكد أن الاقتصاد سينكمش أكثر كلما طالت الفترة”. وقدر الخسائر بين 30 و 40 مليون دولار يوميا، علما أن الازمة بلغت ذروتها بعد اقفال المدارس ابوابها اي أنه خلال 10 أيام خسر الاقتصاد نحو 300 مليون دولار”.

أما الخبير الاقتصادي لويس حبيقة، فأشار الى أن فيروس “كورونا” زاد الطين بلة على الاقتصاد اللبناني “المكربج” أصلا. وقال نمر بأسوأ اسبوعين منذ أعوام، ليس فقط على صعيد لبنان بل على صعيد العالم على خلفية المواجهة النفطية الحادة السعودية – الروسية. واعتبر أن القطاع السياحي هو المتضرر الاكبر من الفيروس اضافة الى الاضرار الهائلة على شركات الطيران الذي يتوقع أن تشهد افلاسات بالجملة”.. وقال خسر الاقتصاد نحو 20% نسبة للناتج المحلي. مرحلة غاية الخطورة على الاقتصاد العالمي لم يمر به منذ عام 1929. والعام 2008 شكل نقطة في بحر الازمة التي نمر بها حاليا.

ثمة سيناريوان يضعهما الباحث الإقتصادي البروفسور جاسم عجاقة للمستقبل الاقتصادي مع هذا الوباء. الاول أن يكتشف علاج لهذا الفيروس في الأشهر المقبلة، وكنتيجة لهذا الأمر سيتم حصر الخسائر بتراجع عالمي للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.5% وعلى صعيد لبنان تراجع بنسبة تراوح بين 1 إلى 1.5%!. وثاني السيناريوات أن لا يتم إكتشاف علاج في القريب بما يعني أن عدد الإصابات قد يستمر بالإرتفاع بما يؤدّي إلى خسائر هذه السنة قد تصل إلى 1.5% من الناتج المحلّي الإجمالي العالمي! أما لبنانيا، فالوضع قد يكون أسوأ بكثير مع ضعف قدرات الدولة مقارنة بالدول الأخرى.

وفي كلتا الحالتين، بدأ الإقتصاد اللبناني يتأثر عبر إقفال المدارس والجامعات والملاهي الليلية وتفادي المواطنين الأماكن العامة مما يُقلّل حكمًا من المداخيل والإستهلاك.

تداعيات فيروس كورونا ستتخطى تداعيات أزمة المالية العامة في الفترة المقبلة، بما يتوجب على الحكومة وضع خطة لتدارك الأمور قبل تفاقمها ووصولها إلى مستويات كارثية ستعزل لبنان داخليا وخارجيا.