//Put this in the section

مات رفيق الحريري

مع إعلان رئيس الحكومة عدم دفع سندات اليوروبوندز المستحقّة، مات رفيق الحريري. ماتت معه أوهام كثيرة. مات معه وهم أنّ لبنان أكبر من أن يفلس، وأصغر من أن يرفض إنقاذه. مات وهم قياس القوّة في القطاع المصرفي بموازنتها العامة المضخّمة، وحجم ودائعها المتزايدة. مات وهم قدرة لبنان على استقطاب الدولارات إلى أبد الآبدين لتثبيت سعر الصرف. مات وهم «سمعة» لبنان الحسنة في الأسواق المالية كبلد لم يتخلّف يوماً، على حساب ازدياد معاناة مواطنيه.

ولكنّ «النموذج» الاقتصادي السياسي لم يمُت. لم يمُت النظام القائم على تذليل الفوارق بين القوى الاقتصادية والسياسية، ولم تمت الحاجة إلى «التوازنات السياسية» في كلّ قرار في ظلّ تركُّز الثروات. لن يتحوّل اقتصادنا من ريعيّ إلى مُنتِج مع تحوّلات نبرة البروفيسور. فلا أحد مهتمّ ببناء أوهام جديدة، من تحوّلنا إلى دولة نفطية ترعى الاقتصاد «المنتج»، إلى لبنان ذات الشبكة الاجتماعية الحديدية المتصدّية لمعاناة «الفقراء»، إلى قطاع مصرفيّ «نشيط» في تحفيز النموّ، إلى فرص عمل في قطاع المعلومات والتكنولوجيا. عين البروفسورات بصيرة، لكنّ الحقيقة مغايرة.




ما لم يقُلْه البروفسور هو أنّنا بعيدون كلّ البعد عن الأوهام التي حاول إرساءها.

أوّلاً،
إعلان التعثُّر يعني انقطاع لبنان عن الأسواق المالية في موازاة انتظار مسار إعادة الهيكلة. وذلك يعني أنّه ليس باستطاعتنا إلا الاتكال على احتياطات المصرف المركزي، والسيولة الموجودة داخلياً، في ظل انكماش اقتصادي سيتعمّق بعد إعلان التعثّر.

سيترافق ذلك مع المزيد من الضغط على سعر الصرف في ظل اشتداد شحّ السيولة بالدولار. وهذا ما يرجّح المزيد من التضخّم، ومعاناةً إضافيةً للصناعات والشركات، وارتفاعاً في نسب البطالة.

أضف إلى ذلك أنّ ما نعرفه من تجارب الدول الأخرى مع التخلّف عن الدفع، هو أنّه كلما كان التعثّر غير منظّم، كلّما اشتدّ أثره على ارتفاع نسب الفقر والبطالة والانكماش الاقتصادي.

ورغم أن عمليات إعادة الهيكلة باتت اعتيادية (بين عامَيْ 1950 و2010، تمّت حوالي 91 عملية إعادة هيكلة، في 95 بلداً)، فإنّ تعثّرها والدعوات القضائية تبقى ممكنة على غرار ما حصل في الأرجنتين بعد تخلّفها عام 2001، والدعاوى القضائية التي رفعتْها صناديق انتهازيّة والتي استغرقت حوالي 15 عاماً بقيت الأرجنتين خلالها مقطوعةً عن الأسواق المالية.

ثانياً،
لتنفيذ أيّ خطة تضعها الدولة، وحتى لنجاحها في نقاشات إعادة الهيكلة، تحتاج الخطّة إلى تمويل غالباً ما يأتي مشروطاً بسياساتٍ وإجراءاتٍ موجعة للفئات الشعبيّة، سواء جاء هذا التمويل من صندوق النقد أو سواه. وهذا ما حصل في باقي البلدان المتعثّرة (اليونان، الأرجنتين، المكسيك).

ثالثاً،
لا يعني إعلان التعثُّر حمايةَ أموال المودِعين. فبما أنّ القطاع المصرفي حاملٌ رئيسيٌّ لديون لبنان السياديّة، يؤدّي التخلّف إلى محو جزء كبير من رؤوس أموال البنوك المحلية.

ترتبط استعادة أموال المودعين بإعادة هيكلة الديون والقطاع المصرفي، وكيفية التعامل مع المصارف المفلسة. يستشهد كثيرون بتجربة إيسلندا التي تخلّفت عن سداد ديونها بأكثر من 85 مليار دولار بعد انهيار ثلاثة من أكبر بنوكها. لكن إيسلندا اختارت أن تترك أضخم بنوكها تفلس ولا تعيد رسملتها، لتلقين مصارفها الجشعة درساً، بعدما راكمت ديوناً لا تستطيع الإيفاء بها. فخسر حوالي خمسين ألف مواطن مدّخراتهم نتيجة لذلك.
لكن، نظراً لتركّز الودائع في لبنان بيد قلّة من المودعين، فإنّ عمليات قصّ الشعر أو الهيركات تبدو هي الحلّ الأمثل لحماية المودعين الصغار، بدلاً من إعلانات الإفلاس التي ستقضي على مدّخراتهم.

لبنان الاستثناء مات. دخلنا مرحلة البلاد المتعثّرة التي تعاني لدخولها مجدّداً إلى الأسواق العالمية. ستحتاج محاولة إعادة بعث وهم الاستثناء اللبناني، إلى أكثرَ بكثير من بير بترول أو سيجارة حشيش.

المصدر: ميغافون – بقلم ديمة كريّم