//Put this in the section
راجح الخوري

من هم أركان الفساد الفاجر؟ – راجح الخوري – النهار

على طريقة مقامر مفلس تماماً وفوضوي تماماً، وفاقد لمعنى المسؤولية تماماً، قال لبنان لدائنيه: لن ندفع، فماذا أنتم فاعلون؟

كان من الغريب ان تعلن الحكومة السعيدة بعد قرارها تأجيل الدفع، ان البلاد في إنتظارحاملي السندات، بشأن ما اذا كانوا سيتعاونون في إعادة هيكلة للدين، أم سيتبعون إجراءات قانونية ضد البلاد، وان الحكومة [الواعية تماماً] ليس لديها أي علم بالخيار الذي سيتخذه المستثمرون!




لست أدري ما علاقة البلاد بالإنتظار، فالبلاد هي البقرة التي ذبحتها هذه الطبقة المتناسلة المتوارثة من السياسيين النهابين والسارقين، وهي التي ستذبحها الآن من جديد، بعد هذا القرار الهمايوني، أي لن ندفع ونحن في إنتظار ما ستفعلون، تماماً على طريقة “يا ربّ تجي في عينو”!

أولم يكن من الممكن مثلاً طرح السؤال سلفاً على الدائنين : إذا لم ندفع ماذا ستفعلون، بدلاً من الإنتظار المحموم الذي يفوق حرارة الكورونا؟ أولم يكن الحد الأدنى من المسؤولية يفرض ان يقوم المفلس المدين بإستطلاع دائنيه حول احتمالات الرد المحتمل على عدم الدفع، وحول مدى الإستعداد للقبول مثلاً بهيكلة الدين، أم ان التخبيص يشمل هذه الدولة كلها، كي لا نحمّل الحكومة وحدها مسؤولية قرار عدم الدفع؟ ثم هل يظنون ان الدائنين حفنة من الأغبياء الذين سينامون على حرير كلام الحكومة السعيدة عن “إطلاق برنامج شامل للإصلاحات اللازمة من أجل بناء إقتصاد متين ومستدام على أسس صلبة ومحدثة”؟!

أوليس من الطبيعي ان يتساءل الدائنون، ومن أين سيأتي البرنامج الإصلاحي الذي لم يوضّح دياب أي باب من أبوابه وأي بند من بنوده، بعدما كان قد تبنى في بيانه الوزاري، العلل التي يشكو منها الآن، وجاء يقول إن السياسات السابقة أورثتنا إياها؟ ثم أوليس من الأحلام كي لا نقول من الأوهام، ان يتحدث عن معركة إستقلال جديدة بمفهوم مختلف للتحرر من عدو يمارس السطو على حاضر اللبنانيين ومستقبلهم، إذا كان المقصود بالعدو هنا دولة الفساد العميقة جداً، وهو ما يدفعني الى القول له منذ الآن : كلّفنا خاطرك، بإعتبار أنه هو الذي يضيف في السياق عينه ان الفساد فرض نفسه في السياسة والإقتصاد والإدارة العامة وفي شتى مجالات الحياة اليومية، بما يعني تالياً:

ان البرنامج الإصلاحي الشامل الذي يتحدّث عنه، يتطلب عملياً على ما يبدو إلقاء السياسيين بمن فيهم طبعاً الذين أتوا به الى السرايا، والإقتصاديين وموظفي الإدارة العامة، وحتى عامة الشعب اللبناني كله في البحر، وإستيراد دولة جديدة وشعب جديد للبنان الجديد الذي يحدثنا عنه، وهو ما يدعو الى الغرابة، خصوصاً بعد تلك التراتبية التصاعدية الإتهامية الشجاعة فعلاً، التي وضعها لمسيرة الفساد المظفّرة عندما قال:

كان الفساد في البداية خجولاً ثم أصبح جريئاً، بعد ذلك أصبح وقحاً الى ان أصبح فاجراً. وهنا إذا تذكرنا ما يقال دائماً من ان الفساد عمره ثلاثون عاماً، فذلك قد يعني أننا الآن في مرحلة الفساد الفاجر!

وإذا كان الأمر على هذا النحو، الذي لا يخفى طبعاً على الدائنين، الذين قلنا لهم لن ندفع، وبناء على الكلمات الفخمة والكبيرة في بيان دياب عن الإصلاح الشامل، فليس من الغريب ان نكون في موقع الغارق الذي لن يلقي له أحد طوق النجاة!