//Put this in the section

ما حقيقة رسالة جنبلاط إلى نصرالله؟ وما حملته من مضامين وشروط؟

ابراهيم بيرم – النهار

سرت في الأيام القليلة الماضية معلومة مفادها أن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بعث في الآونة الأخيرة برسالة إلى الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله تنطوي على أمرين اثنين:




الأول، تحذيرات من مغبة المضي قدماً في مواجهة الحزب لصندوق النقد الدولي والتعامل بسلبية مطلقة مع توجهاته ونصائحه وضرورة إبداء نوع من المرونة في العلاقة معه باعتبارها حاجة لا بد منها.

الثاني، الرغبة الضمنية في تحديد أفق العلاقة المستقبلية بين الطرفين ووجوب إنهاضها على أسس وشروط جديدة من الآن فصعوداً.

المعلومة عينها تمتد في اتجاه الإشارة الى أن زعيم المختارة تمنى رداً عاجلاً على مضامين الرسالة لكي يبنى على الشيء مقتضاه، لكن ثمة معلومات ومناخات تشي بأن قيادة الحزب ما برحت عاكفة على الدرس والإحاطة توطئة للإجابة.

من البديهي أن أوساط الحزب المولجة متابعة هذا الملف تؤثر عدم إثبات الخبرية والتعليق عليها تالياً أو دحضها، تاركة الأمر كما هي العادة الى مناسبة معينة يرى فيها “مصلحة” في إماطة اللثام عن خفايا هذه المسألة. لكن ما تؤكده الأوساط عينها أن مصدر الخبر تلميحاً أو تصريحاً لم يكن إطلاقاً من لدنها.

وهذا الرد أوحى للمتابعين باستنتاج فحواه أن ثمة رغبة جنبلاطية في الإضاءة على هذا الأمر مقدمة للإشارة إلى أن جنبلاط قد بات يعدّ العدة لرحلة علاقات وتموضعات سياسية مختلفة عن ذي قبل وذلك تماهياً مع مألوف النهج والسلوك الجنبلاطي المعروف في هذا المجال، في مرحلة التحولات والتبدلات في الواقع السياسي محلياً أو اقليمياً.

في عمق المشهد كله يرى الضالعون في الأداء الجنبلاطي أن رئيس الاشتراكي صار يقيم في الآونة الاخيرة على قناعة جوهرها أن مرحلة سياسية قد طوت للتو بساطها بعدما أوشكت مفاعيل الحراك الشعبي الذي انطلق في 17 تشرين الماضي وتداعياته على الانتهاء، وأن ثمة مرحلة جديدة بحسابات مختلفة قد ابتدأت وفيصلها الأساس قدرة حكومة الرئيس حسان دياب على الانطلاق بخطواتها الاولى في رحلة الألف ميل البالغة الصعوبة وهي مصممة على المضي قدماً بخطى واثقة وثابتة مسقطة كل الرهانات على إخفاقها وعجزها حتى عن التكون.

ولم تكن الرسالة الجنبلاطية الموجهة نحو حارة حريك والتي راج الحديث عنها هي المؤشر الاول على أن جنبلاط قد استشعر جدياً عمق التحول الحاصل وعنوانه العريض أن محور الحزب الداخلي قد قيّض له أخيراً وبعد مخاض عسير أن يمسك بزمام المبادرة وأن ينجح في تحقيق إنجازات متقدمة لا يستهان بقيمتها المضافة، وهو ما يستوجب التكيف تالياً مع المستجد والفارض نفسه بعناد، إذ وقبل ذلك التطور كان ثمة ما لفت نظر المتابعين الى أمرين:

– دخول جنبلاط في صمت طويل نسبياً (استغرق بحسب تقديرات نحو 8 أيام) عن التغريد والتصريح خلافاً لعادته رغم تزاحم الأحداث وتسارع التطورات.

– ولاحقاً بادر جنبلاط الى إطلاق دعوته الى إعطاء حكومة الرئيس دياب فرصتها كاملة منطلقاً من فرضية أن لا طرح بديل نقدمه للخروج من عنق زجاجة الازمة التي استطال زمنها.

في واقع حال هذا الاداء الجنبلاطي المتحلّي بالإيجابية والمرونة، رصد المتابعون ثلاث وقائع ومعطيات لافتة:

1 – إن جنبلاط قد أخذ وقته في التمعن والتبصر والرصد لمعرفة اتجاه رياح الامور ومآلاتها.

2 – الانزياح باتجاه القبول والرضا والتسليم بالحكومة الجدية ونهجها المختلف في المعالجة والإنقاذ المطلوبين بإلحاح.

3 – ترقب كيفية تعامل الخارج العربي والدولي مع الحكومة الوليدة وهل سيكون عزلاً وتجاهلاً أم انفتاحاً وتواصلاً لكي يبنى على الشيء مقتضاه ويصير معروفاً ما اذا كانت هذه الحكومة وليدة صدفة أم تفاهم خفي حيكت خيوطه في مكان ما وفق نظربة راجت غداة تسمية دياب رئيساً مكلفاً لتأليف الحكومة.

وتصل القراءة الراصدة عينها إلى استنتاج فحواه أن جنبلاط الذي تستيقظ أكثر من غيره كل حواس وقرون استشعاره عند بروز بوادر التحولات ويصير مسكوناً بهاجس قراءة متعمقة لكل الخيارات والمسارات المفترضة، قد قرر فعلاً في الآونة الأخيرة تموضعاً سياسياً مختلفاً، من سماته ومواصفاته عدم الظهور في موقع المنحاز الى جانب أي من المحاور الداخلية، والحرص على الانزياح الى خط وسطي الطابع لا يقطع مع اي جهة ولا يفتح خطوط مواجهة مع اي طرف او مكون.

وفي هذا السياق، كان لافتاً أن جنبلاط لم يبد أي حماسة ملحوظة ولم يسر قدماً في أي خطوة يظهر فيها وكأنه يلاقي الرئيس سعد الحريري في سعيه الاولي الى تراص سياسي جديد في خط معارض للواقع السياسي المستجد إثر ولادة حكومة الرئيس دياب، على رغم ان زعيم “تيار المستقبل” قد أبدى حرصاً على الاشادة به حليفاً موثوقاً به في الاحتفال الذي أقامه في ذكرى اغتيال والده في بيت الوسط في الشهر الماضي.

وفي السياق عينه، يأتي الحرص الجنبلاطي على الحيلولة لحد الآن دون رسم أي خطوط تماس مع دياب وحكومته إذ ومنذ انطلاقتها لم يسجل أي تصريح انتقادي لجنبلاط في حقها.

إنها، اذاً، رسالة جلية في أبعادها الراهنة والمستقبلية بالنسبة للحزب وهو غاية المراد عنده وهو بالأساس لا ينتظر أكثر من ذلك، فبيت القصيد عنده علاقة تطبيع دائم.