//Put this in the section

تداعيات حرب النفط.. تقشف محتمل وتوتر علاقة بوتين وولي عهد السعودية وخسائر اقتصادية كبيرة

حرب النفط التي بدأت للتو لها تداعيات خطيرة، ليس فقط من الناحية الاقتصادية في الدول المنتجة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، لكن أيضاًسيكون لها تأثيراتها على الشق السياسي وبصفة خاصة علاقة الصداقة الناشئة مؤخراً بين موسكو والرياض أو بالأحرى بين فلاديمير بوتين والأمير محمد بن سلمان، لكن هذا ليس كل شيء.

خسائر اقتصادية فورية

أعلنت السعودية عن تخفيض أسعار النفط الرسمية الخاصة بها بشكل فوري وأنها سترفع من إنتاجها بداية من أبريل/نيسان وهو ما أدى لانخفاض سعر برميل النفط إلى ما دون 30 دولار للمرة الأولى منذ حرب الخليج عام 1991، مطلقة حرب أسعار مع روسيا أحدثت ذعراً هائلاً في الأسواق العالمية.




لكن اللافت هنا أن تأثير القرارات السعودية كانت له تداعيات سلبية فورية على الوضع الاقتصادي للمملكة، حيث هبطت بورصات الخليج على نحو جماعي في بداية تعاملات أمس الأحد 8 مارس/آذار، وسجلت بورصة السعودية خسائر كبيرة تُقدر بـ197 مليار دولار، إذ كانت القيمة السوقية للبورصة السعودية في تداولات الخميس بلغت2218.1 مليار دولار، إلا أن قيمة البورصة السوقية انخفضت إلى 2021.1 مليار دولار، حسب إغلاق جلسة الأحد، وفقاً لوكالة الأناضول.

وتواصل الانخفاض اليوم الإثنين 9 مارس/آذار بنسبة بلغت 10%، وشهدت جميع الأسهم تراجعاً حيث سيطر اللون الأحمر على مؤشرات بورصة السعودية، من ضمنها أرامكو التي كانت قد فقدت أمس الأحد 600 مليار ريال (160 مليار دولار) من قيمتها السوقية خلال الجلسة المذكورة، لتصل إلى 6 تريليونات ريال (1.6 تريليون دولار)، ومن المتوقع أن تنخفض قيمة الشركة السوقية أكثر مع نهاية تعاملات اليوم.

العالم أيضاً يواجه تداعيات مرعبة

وكما كانت تداعيات انهيار أسعار النفط فورية في السعودية، حدث الأمر نفسه حول العالم، حيث انخفضت بحدة البورصات العالمية في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة، بينما حرب الأسعار لا تزال في بدايتها، إذ عمت أجواء الذعر الأسواق المالية حول العالم، بحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ.

ورصد التقرير بداية درامية للأسبوع، حيث لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة تراجعت عائدات الاستثمار في سندات الخزانة بنسبة 0.5% و1%، وهو منحنى لم يحدث على الإطلاق من قبل، كما شهدت تعاملات الأوراق المالية تقلبات حادة وسط غياب تام لنقطة ارتكاز واضحة، في دليل على حالة التخبط والارتباك التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

وفي حالة استمرار حرب أسعار النفط، ستكون هناك تأثيرات كارثية على الأجواء السياسية والموازنات العامة حول العالم، وستشهد محافظ الدين العام داخلياً وخارجياً ضغوطاً هائلة على البنوك المركزية التي ستواجه دورة كساد اقتصادي مفاجئة لا أحد يمكنه توقع مداها وتأثيراتها.

اللافت أن حرب أسعار النفط من المفترض أن تصب في صالح المستهلكين، لكن بوجود خطر فيروس كورونا فإن غالبية المستهلكين في الولايات المتحدة وأوروبا يلزمون منازلهم، حيث أغلقت إيطاليا مناطق الشمال التي تمثل قلب الصناعة في البلاد بسبب الفيروس.

“لا أحد يعرف إلى أين تتجه الأمور وهو ما يجعل تسعير أي شيء أو توقع أي شيء أمراً عسيراً للغاية”، بحسب ساره هانتر خبيرة الاقتصاد الرئيسية في BIS Oxford Economics، عبر قناة بلومبيرغ، مضيفة أن هذا واضح من التقلبات العنيفة التي تشهدها الأسواق”.

تحذيرات من “الروليت الروسي”

فاتح بيرول مدير وكالة الطاقة الدولية قال اليوم الإثنين إن ”لعب الروليت الروسي في أسواق النفط ربما يكون له عواقب وخيمة“، مضيفاً أن أسعار النفط دون أقل من 25 دولاراً للبرميل ستؤدي إلى توقف عمليات التطوير الجديدة للنفط الصخري في الولايات المتحدة، بحسب رويترز.

الإشارة للروليت الروسي هنا تعني مواجهة مميتة بين موسكو والرياض أو بالأحرى بين كل من بوتين وولي عهد السعودية، وهو أمر يحتاج للتوقف قليلاً عند تداعياته وانعكاساته على علاقة الصداقة الوليدة بين الرجلين والتي تجلت في زيارة بوتين التاريخية للمملكة العام الماضي.

وحتى تكون الأمور أكثر وضوحاً من المهم هنا أن نذكر أنها ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها السعودية لهذه الاستراتيجية -حرب الأسعار- كي تؤكد على دورها الرائد كمنتج رئيسي للنفط وصاحبة أكبر احتياطي من الخام عالمياً وقد نجحت بالفعل في مسعاها من قبل، لكن هذه المرة الأمر مختلف بصورة كبيرة، حيث إنها المرة الأولى التي تواجه فيها روسيا بوتين تحدياً علنياً بهذه الصورة من جانب السعودية بقيادة ولي العهد، ومن ثم سيلعب كل منهما جميع أوراقه حتى لا يتعرض لخسارة علنية ومهينة.

ما أوراق كل من بوتين وولي العهد؟

القصة احتلت عناوين الأخبار بصورة فورية وغطت ربما على متابعات كورونا، وتسابق الجميع لأخذ مقعد لمشاهدة هذه المبارزة وتداعياتها، ونشرت وكالة بلومبيرغ تقريراً عنوانه “كورونا وروسيا اختبار لخطة السعودية“، ركز على المواجهة بين بوتين وولي العهد وخصوصاً حول الكيفية التي سترد بها موسكو على هذا التحدي العلني غير المسبوق.

السعودية بنت موقفها على أساس عدد من العوامل أبرزها أنها أقدمت على نفس الخطوة قبل خمس سنوات فرفعت إنتاجها بشكل منفرد وخفضت الأسعار حتى تم التوصل لاتفاق أوبك+ روسيا، إضافة للانخفاض الكبير في تكلفة الإنتاج لديها مقارنة بروسيا، إضافة إلى توقعات بتراجع تأثيرات فيروس كورونا وعودة الطلب عالمياً على النفط بصورة كبيرة للتعويض.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان – رويترز

لكن على الجانب الآخر من الصعب إغفال عدد آخر من المتغيرات المقلقة، أبرزها تأثير انخفاض أسعار النفط على الأوضاع الداخلية في وقت يسعى ولي العهد لإحكام سيطرته على مقاليد الأمور والقبض على أقوى معارضه (عمه الأمير أحمد وابن عمه وولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف وغيرهما)، وكذلك التأثير السلبي على القيمة السوقية لشركة أرامكو والتي تراجعت بالفعل إلى 1.6 تريليون بعد خسائر أمس الأحد، ومن المتوقع إذا استعرت حرب الأسعار أكثر أن تكون الخسائر أكبر.

وفي هذا السياق ربما يمثل موقف بوتين العقبة الأبرز في هذه المواجهة، فمواقف الرئيس الروسي تؤكد أنه لا يمانع الخسارة اقتصادياً مقابل ألا يتعرض لمهانة علنية وخير دليل هو إقدامه على ضم إقليم كريميا من أوكرانيا وعدم تراجعه رغم العقوبات الغربية الخانقة بل واصل التحدي، وخطورة المواجهة الحالية مع السعودية أنها وقعت تحت مراقبة إعلامية دقيقة من خلال اجتماعات فيينا، وبالتالي فإن أي خطوة لتقليل الإنتاج مثلاً من جانب موسكو سيتم تفسيرها على أنها تراجع أمام السعودية وهو أمر يستبعده المراقبون.

ضغوط أمريكية وغربية متوقعة

ولي العهد السعودي سيكون عليه أيضاً مواجهة الضغوط المتوقعة من أصدقائه في البيت الأبيض، حيث إن حرب الأسعار هذه تمثل كارثة لشركات الإنتاج الأمريكية ولمشاريع تطوير إنتاج الغاز الصخري بشكل عام، والتي بحسب تصريحات فاتح بيرول ستتعرض للتوقف إذا ما انخفض سعر برميل النفط إلى 25 دولاراً.

كما وجه وزير الطاقة الفرنسي تحذيراً مبطناً للسعودية اليوم مطالباً إياها بعدم اتخاذ قرارات تؤثر سلباً على الدول الأخرى، خصوصاً وأن السعودية هي الرئيس الحالي لهذه الدورة من مجموعة الـ20 المنتظر أن تعقد اجتماعها السنوي في نوفمبر/تشرين الثاني في الرياض، والأكيد أن روسيا تدرك كل هذه العوامل ما يعني أسباباً إضافية كي لا يتراجع بوتين أمام الخطوة السعودية التي يرى بعض المحللين أنها لم تكن محسوبة، ومثل هذه القرارات ليست غريبة على ولي العهد المعروف عنه “الاندفاع والتهور”.