//Put this in the section

الانقلاب المتدرج على النظام نحو الجمهورية الثالثة 48 ساعة حاسمة مع الدائنين قبل الافلاس؟

سابين عويس – النهار

اما وقد قُضي الامر، واعلن رئيس الحكومة افلاس الدولة “بعدما بلغت الاحتياطات مستويات خطيرة وحرجة”، بات السؤال الملح ماذا بعد التخلف عن دفع الديون المستحقة، وما هي آلية ادارة التفليسة.




لم يحمل كلام رئيس الحكومة ما يطمئن الى إمساك حكومته بزمام الامور، بل على العكس زاد من القلق المسيطر على اللبنانيين لسبب جلي، اذ اعلن عن مشاريع مستقبلية للحلول والمعالجات، فاعتمد صيغة المستقبل في طروحاته، في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد الى صيغة الفعل الماضي. اي بمعنى انه قدم وعودا بما تعتزم حكومته القيام به، ولم يتمكن من ان يقدم خطوة او اجراء مما هو مطلوب ومنتظر، تم اتخاذ القرار في شأنه. والاخطر انه اعلن ان الدولة “ستسعى الى اعادة هيكلة ديونها عبر خوض مفاوضات منصفة وحسنة النية مع الدائنين كافة”، فيما كان اللبنانيون ينتظرون من رئيس حكومتهم وهو يشهر الافلاس ان المفاوضات مع الدائنين قد بدأت وان عملية اعادة الهيكلة قد سلكت طريقها.

مصادر وزارية بارزة بررت موقف دياب بقولها ان رئيس الحكومة لم يعلن بعد قرار التخلف، وانما كان دقيقا جداً في كلامه عن ” تعليق” الدفع، وذلك افساحا منه في المجال امام وصول المفاوضات التي بدأت مع الدائنين الى نتائج مقبولة، كاشفة في هذا الإطار ان المفاوضات تحصل على محورين، احدهما تتولاه الدولة مع حملة السندات، والثاني تقوم به المصارف من جهتها مع هؤلاء من اجل الوصول الى برمجة الدين، وتجنب التخلف غير المنظم. وكشفت المصادر عن عرض جديد قدمته المصارف من اجل تأمين التمويل اللازم لتغطية الاستحقاق، لافتة الى ان 48 ساعة حاسمة يتحدد فيها مصير التخلف، وما اذا كان سيتم بشكل منظم ومبرمج او لا.

لكن مصادر مصرفية بارزة نفت وجود عرض جديد مشيرة الى ان المصارف استعانت بمستشارين ماليين لمساعدتها في التفاوض، ولكنها غير متفائلة حيال النتائج المرتقبة، خصوصا وان المفاوضين لم يلمسوا اي تفهم او استعدادات حبية لدى الدائنين. ورأت ان البلاد دخلت في المحظور في ظل أفق قاتم جداً خصوصا وان الازمة المستجدة تقف على خلفية سياسية بحتة لا علاقة لها البتة بالطابع التقني للاستحقاق. وهذه الخلفية تتصل بالتوجهات المالية والاقتصادية الجديدة للحكومة التي لا تنسجم مع النظام القائم.

ماذا بعد الإعلان غير المسبوق بالتخلف والى أين تمضي البلاد في المسار الجديد الذي خطته حكومة دياب، وماذا سيكون مصير السندات الدولارية الاخرى التي وُضعت بحكم الامر الواقع على طاولة التفاوض؟

اذا كانت خطة تغيير بوصلة الانتفاضة الشعبية من شعار ” كلن يعني كلن” الذي يستهدف الطبقة السياسية الحاكمة، الى شعار “فليسقط حكم المصرف”، في تصويب مركز على المصرف المركزي والقطاع المصرفي قد نجحت في وضع حاكم المركزي واصحاب المصارف في قفص الاتهام، وحجب الأنظار عمن يتشاركون مسؤولية الانهيار، فإن هذه الخطة نجحت ايضا في استيعاب غضب الشارع، بحيث بدا التخلف عن السداد بمثابة انتصار وحماية لأموال المودعين.

ولكن هل هذه هي الحقيقة الكاملة والمجردة للعبة الخطيرة التي كانت المصارف مسرحها على مدى الايام القليلة الماضية، وهل حافظت الدولة فعلا على ودائع الناس بإشهارها افلاسها، او ان وراء الأكمة قطبة مخفية ستتجلى معالمها قريبا مع تكشف خلفيات الانقلاب الذي استهدف في الدرجة الاولى النظام الاقتصادي الليبرالي الحر الذي تميز به لبنان منذ نشأته؟

يحمل كلام رئيس الحكومة لدى مصارحته اللبنانيين بخطة حكومته، ما يجيب على بعض من هذه التساؤلات. فهو اعلن صراحة ان لبنان لا يحتاج الى قطاع مصرفي يفوق أربعة أضعاف حجم الاقتصاد، وان الحكومة ستعمل على اعادة هيكلة القطاع بما يتناسب مع حجم الاقتصاد، لكنه لم يعد بتكبير حجم الاقتصاد من اجل استعادة النمو والتعافي.

وهذا يعني ان مرحلة إصلاح وتنقية القطاع المصرفي بدأت، بعدما فقدت المصارف ملاءتها وقدرتها على الاستمرار، حتى لو لم تشهر من جانبها افلاسها. ولكن افلاس الدولة ” الزبون الممتاز” للمصارف ينسحب حكما عليها، وفجوة الديون المستحقة والتي تفوق 40 مليار دولار ( من الودائع)، سترتب اللجوء الى إجراءات تفرضها اعادة الهيكلة التي بدأت تسلك طريقها.

في هذا المجال، تتحدث المعلومات عن عملية اقتطاع ما يقارب هذا المجموع من الودائع المصرفية.

وكما تم الترويج لإضفاء الحسنات على قرار التخلف و” تبليعه” للمواطنين على انه حماية لاموال المودعين، تكمن خطة ال” هيركات” المقبلة على الودائع من خلال التهويل بهذا الخيار ورفضه تمهيدا للقبول بعملية مقايضة الودائع بأسهم مصرفية.

في جلسة مجلس الوزراء الاخيرة، نقل عن رئيس الجمهورية قوله ان العمل مستمر لتأسيس الجمهورية الثالثة، قبل ان يُسحب الكلام ويُصحح ويُدرج في اطار الخطأ المطبعي.

فهل كان هذا الكلام خطأ مطبعيا فعلا او انه الترجمة الحقيقية للانقلاب المتدرج نحو الجمهورية الثالثة التي بدأت ملامحها ترتسم وتوضح على أنقاض جمهورية الطائف والنظام الليبرالي الحر و” وقف العد”؟