//Put this in the section

لبنان أمام المجهول: عدم السداد وفشل النموذج الاقتصادي!

للمرة الأولى يكون لبنان أمام مفترق خطر ومصيري، ذلك انه على رغم الحروب المتتالية التي شهدها تاريخه الحديث، فإن نموذجه الاقتصادي القائم منذ زمن والذي يتميز بحرية حركة رؤوس الاموال والودائع بالعملات الأجنبية المتعددة والتجارة الحرة لم يتبدل، بل تصدى لأزمات عدة، ووفر للبنان ضخ أموال وفيرة، وتحويلات كبيرة، واستثمارات كثيرة، أتاحت لهذا النموذج الصمود، قبل ان يتهاوى بفعل السياسات التي تسبب بها أكثر من فريق لبناني بمناصبته معظم الدول الصديقة والدول المانحة والمساعدة العداء، وتهجير الاستثمارات، وتعريض لبنان للعقوبات التي انعكست سلباً على ماليته وعلى قطاعه المصرفي، وتالياً على المواطنين. ومع اعلان رئيس الوزراء حسان دياب “فشل النموذج الاقتصادي” تزامناً مع تعليق لبنان دفعه سندات “الاوروبوند”، واعلانه أيضاً “ان لبنان لا يحتاج الى قطاع مصرفي يفوق أربعة أضعاف حجم الاقتصاد، وان الحكومة ستعمل على اعادة هيكلة القطاع بما يتناسب مع حجم الاقتصاد”، بدا كمن يقود انقلاباً على مجمل الوضع القائم، مترجماً الحملة التمهيدية التي شنها أكثر من طرف سياسي من فريق 8 آذار، للانقضاض على المصارف، وتالياً على النموذج القائم، تمهيدا ربما لعقد جديد وللبنان جديد ينقض ما قام عليه البلد.

واذا كان تطوير النظام، سياسياً أو اقتصادياً، أمر مطلوب، فإن المشكلة تكمن في توفير البديل، غير المتوافر حتى الساعة، ويبرز السؤال عن هوية القيمين على هذا التغيير، وما اذا كانوا من الحكومة أم ممن يقفون وراءها من دون علم وزرائها الذين لم يتسع لهم المجال بعد للبحث المعمق في مشروع مصيري مماثل.




فقد أعلن لبنان السبت “تعليق” سداد سندات مستحقة اليوم 9 آذار، في تخلّف عن دفع ديون للمرة الأولى في تاريخه، مع تأكيد السعي إلى التفاوض في شأن إعادة هيكلة الدين في ظل أزمة مالية تطاول الاحتياطات بالعملات الأجنبية.

وبعدما قال الرئيس دياب في رسالة وجهها إلى اللبنانيين عقب جلسة لمجلس الوزراء، إنّ الاحتياطات “بلغت مستوى حرجاً وخطيراً، يدفع الحكومة اللبنانية إلى تعليق سداد استحقاق 9 آذار من سندات الأوروبوند”، صرح وزير الاقتصاد راوول نعمه بأن “المفاوضات الرامية إلى إعادة هيكلة ديون البلاد بالعملات الأجنبية لن تستغرق أكثر من تسعة أشهر إذا خلصت النيات”.

وفي أول تعليق، غرّد المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش قائلاً: الكلام الصريح لرئيس الوزراء حسان دياب حول فشل النموذج الإقتصادي السابق يفتح المجال أمام الخروج من الأزمة. أشجع الدائنين على العمل مع الحكومة لتفادي التخلف عن السداد غير المنظم بعد تعليق دفع سندات الاوروبوند التي تستحق في 9 آذار الذي تمليه حالة البلاد الحرجة”.

أما وقد اختارت الدولة “تعليق سداد استحقاق 9 آذار من سندات الأوروبوند”، فإنها تصبح أمام خيار من اثنين كما صرح لـ”النهار” المحامي والمحكم الدولي ورئيس الهيئة الإدارية للمركز اللبناني للدراسات محمد عالم: الخيار الأول يتعلق بإمكان ان تنجح الدولة في التفاوض مع 57% أو أكثر من حاملي السندات على إعادة هيكلة لاحقة لهذه السندات تكون ملزمة لسائر الدائنين، والثاني ان تفشل في التفاوض، وعندها قد تضطر الى مواجهة الاجراءات القانونية التي قد يقيمها دائنوها في وجهها.

وعلمت “النهار” ان المفاوضات بدأت رسميا يوم الجمعة الماضي وتحديداً بعد اتفاق الحكومة على قرار تعليق الدفع. هذه المفاوضات التي يديرها الاستشاري المالي “Lazard” والاستشاري القانوني “Cleary Gottlieb”، تشمل المصارف اللبنانية وتهدف الى اقناع الدائنين الاجانب بالموافقة على الانخراط في عملية إعادة هيكلة منظمة للدين اللبناني. وتشير مصادر الى ان هذه المفاوضات تشمل صندوقي “أشمور” و”فيدلتي”.

في المقابل، نقلت وكالة “رويترز” عن مصدر مطلع أن حملة السندات اللبنانية يكثفون جهودهم لتشكيل مجموعة تمثلهم. وقال المصدر، وهو عضو في المجموعة وطلب عدم ذكر اسمه: “أعتقد أنها (مجموعة الدائنين) ستجتمع قريباً”. وأضاف: “ندرك أن الحكومة تريد أن تتحلى بالتعقل وكذلك غالب الدائنين. هم يتفهمون أن البلد في موقف صعب. وهناك مسعى لمعرفة آراء مستشارين قانونيين وماليين مع زيادة احتمال التخلف عن سداد الديون”.

واذا كان المجتمع الدولي يترقب التطورات اللبنانية، فان العبرة تكمن في افعال الحكومة لا في أقوالها، لذا فإن وعود رئيس الوزراء تنتظر اجراءات تطبيق وتنفيذ عبر الخطة الاقتصادية الموعودة. وفي هذا الاطار أفادت مصادر وزارية ان الخطة قيد الاعداد وتحتاج الى مزيد من الوقت كي تأتي واقعية وقابلة للتنفيذ فلا تكون حبراً على ورق. وتقوم الخطة أولاً على مراجعة دقيقة للارقام من الواردات الواقعية في ظل الأزمة، والنفقات وفق أرقام تقشف حقيقية، واقرار خطة واقعية منسجمة مع الارقام الفعلية، وضمان مناصرة مجلس النواب لورشة قانونية تشريعية كبيرة.

ولإتمام هذه الخطة، يعقد مجلس الوزراء جلستين أسبوعياً، في محاولة لانجاز العمل في غضون أربعة الى ستة أسابيع.

النهار