//Put this in the section

قرار دياب بمثابة إعلان إفلاس الدولة… و”حزب الله” يريد بناء ”اقتصاد مقاوم”!

ابراهيم حيدر – النهار

القرار الذي اتخذه لبنان بعدم سداد سندات الأوروبوندز، لا يشكل منعطفاً تاريخياً لبلد يئن تحت أعباء هائلة ويقترب من الانهيار، بل هو محاولة للقول إن الدولة لن تخضع لصندوق النقد الدولي، وإن كانت في النهاية ستجد نفسها أمامه عندما تبدأ المفاوضات مع الدائنين. فالتخلف عن الدفع يفتح مرحلة جديدة قد تحمل الكثير من الاخطار على البلد، لكنها مرحلة تؤسس لمسار سياسي آخر طالما أن الحكومة لم تضع خططاً بديلة تكرس سياسات مغايرة قادرة على تخطي الأزمة التي يعانيها لبنان، أقله بعنوان الانقاذ.




لا يعني تخلف دولة عن سداد الديون أنها فتحت الطريق لنظام مختلف، أو أنها بدأت تؤسس لجمهورية جديدة هي الثالثة في لبنان، وإذا حصل هذا التأسيس فإنه يكرس، وفق سياسي لبناني متابع، انطلاقاً من الواقع الحالي، جمهورية تستمر في رهن لبنان للخارج من موقع آخر، إذ إن التحالف الطائفي السياسي الممسك بالبلد اليوم والذي تسبب بالانهيار وبالأزمة الخطيرة منذ الاستقلال، لا يستطيع أن يعبر بلبنان الى الامان وأن يحقق الانقاذ ولا بناء الدولة العادلة القوية. فإذا كان الرهان هو على تغيير النظام الاقتصادي اللبناني، الا أن القرارات المتخذة حتى الآن لا تدل على أن لبنان يسير في اتجاه بناء اقتصاد منتج وقوي ومغاير.

الكلام السياسي المواكب لقرار عدم الدفع أو التخلف يغطي غياب خريطة الطريق للانقاذ، فالمحور السياسي الوصي على الحكومة والذي يتقدمه “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” يعتبره انتصاراً لخياره السياسي بعدم الخضوع لصندوق النقد، لكنه في المقابل يغطي أيضاً على تحميل اللبنانيين مسؤولية الخروج من الازمة المالية. وفي رواية قوى الممانعة أن القرار يمثل فرصة للتغيير السياسي والاقتصادي والواقع المفروض على البلاد منذ تأسيس لبنان الكيان، وهو فرصة ايضاً للانطلاق نحو تغيير السياسات الاقتصادية لتتلاقى مع التغيير السياسي الذي كرسه محور المقاومة للبنان، والتوجه للانتساب الى “خيار الشرق” الممانع لاخراج البلد من الارتهان للغرب والأميركيين.

يشير السياسي المتابع الى أن محور المقاومة يعتبر قرار الدولة اللبنانية نصراً شخصياً للأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الذي طرح في خطاب له خيار التوجه الى الشرق لبناء اقتصاد حقيقي، وأرفق كلامه بالدعوة الى مقاطعة المنتجات الأميركية ومواجهة الأميركيين في المنطقة. ومع هذا الكلام كان “حزب الله” يحذر من الاحتكام الى صندوق النقد. وفي أجواء الحزب تُطرح معادلة جديدة تبدأ بالتوجه نحو الشرق عبر تفعيل التعاون الاقتصادي مع روسيا والصين كما طالب نصرالله، والعمل على التكامل الاقتصادي مع دول الجوار القريبة أي سوريا من خلال اعادة العلاقات مع نظامها رسمياً، ثم التوجه نحو العراق والأردن وعدم الاعتماد على دول الخليج، وذلك لتعويض الخسائر التي تكبدها لبنان خلال السنوات الماضية، أي منذ بدء الحرب السورية. أما إعادة هيكلة الدين فتستلزم مفاوضات، علماً أن الكلام على اعادة تصحيح العلاقة مع المصارف وكسر نموذج الاستدانة يحتاج الى قوى مختلفة عن تحالف الطبقة السياسية التي حكمت لبنان ولا تزال، فيما القوى الحاكمة اليوم تنتسب الى محور الممانعة.

عدم السداد بلا خطة يعني أن لبنان لا يعرف ماذا يريد، تماماً كما كلام الأوهام الذي يقول إن لبنان يمكنه الاعتماد على الصين وروسيا وإيران من خلال البحث عن نموذج اقتصادي جديد، وهو نموذج ملتوٍ لا يحقق الاستقرار. واذا كان خيار “التعاون مع صندوق النقد الدولي” مرفوض من حزب الله تحديداً، فإن الرفض المطلق في واقع مأزوم وفي حالة الانهيار وعدم وجود بدائل، يعني أن فائض القوة فرض رأيه مكرساً هيمنته على الحكومة.

لا يمكن لبنان ألّا يخوض مفاوضات مع حملة السندات بعد قراره بعدم الدفع. لكن اللافت أن الحكومة مع أوصيائها السياسيين ستفرض اجراءات قاسية جرى التباحث فيها مع وفد الصندوق الذي زار لبنان أخيراً، وهذا يعني أن البحث مع الصندوق والدول المانحة سيبقى خياراً وحاجة لقوى الممانعة وان كانت تدعو الى التوجه نحو الشرق. وهي تعلم ان لبنان في حالة انهيار، وهو أمر يتجاوز موضوع سداد استحقاقات الدين إلى البحث في موقع لبنان وصيغته المستقبلية، إذ إن وضعه لن يعود كما كان في السابق، وان كان جرى الالتفاف على الانتفاضة بعد 17 تشرين الأول 2019.

ليس لدى لبنان أي خطة متكاملة وواضحة للخروج من الأزمة ومعالجة الوضع والانقاذ، إذ إن اعلان دياب هو سياسي بامتياز بعدما حصل على الغطاء المطلوب من قوى الوصاية السياسية، وليس لديه وفق السياسي برنامج واضح للتفاوض مع حاملي السندات لإعادة جدولة المستحقات وهيكلة الديون. فقرار حكومة الرئيس حسان دياب هو بمثابة إعلان إفلاس، والذهاب الى خيار الشرق لا ينهض بلبنان اذا كان المقصود بناء “اقتصاد مقاوم”، انما يظهر بتأكيد دياب نفسه ان الاجراءات الاقتصادية والمالية ستكون موجعة على المواطنين بهدف توفير السيولة، فيما التعهد بتنفيذ خطة الاصلاح المالي والاقتصادي بما تتضمنه من إجراءات تقشف قاسية قد تقلص عدد موظفي الدولة وترفع الضرائب وتزيد سعر صفيحة البنزين، وهي رسالة للدائنين أنفسهم، ما يعني أن توزيع الخسائر لن يكون منصفاً. أما المفاوضات، فلن تؤدي الى شطب ديون، وفق ما يقول خبير اقتصادي، انما مبادلتها بديون أخرى، وقد تذهب الى التصرف بملكية مؤسسات الدولة والمرافق العامة وتسييلها كأسهم للدائنين، في حين أن جباية أموال إضافية من جيوب المواطنين ستكون ضمن اقتراحات الجدولة كضمانات لتسديد الدين لحملة السندات.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، طالما أن رئيس الحكومة أعلن رسمياً عدم قدرة لبنان على الدفع، بما يعني افلاساً مؤجلاً، فيما الصراع سيحتدم بين القوى التي تستمر في رهن البلد للخارج ومحاولات الهيمنة على قراره وربطه بالمحاور، في وقت تستمر الطبقة السياسية بالدفاع عن مصالحها ولا تقبل بأي توجه لإعادة الاموال المنهوبة، وبعضها مستعد لممارسة العنف الى أقصى الحدود.