//Put this in the section

هل سبب الأزمة المالية خطأ المصارف في تمويل الدولة؟

يستمر تقاذف المسؤوليات عن الأزمة المصرفية والمالية والاقتصادية التي يجتازها لبنان بين القطاع المصرفي والسلطة السياسية والرأي العام الذي يدفع ثمن ما آلت إليه الأمور من تعثر أصاب خزينة الدولة وانعكس على ودائع اللبنانيين في المصارف في ظل مخاوف من تدابير حكومية وتشريعية تستهدف مدخرات اللبنانيين بعد تدابير “الأمر الواقع” التي فرضتها المصارف لإدارة الأزمة والتعايش معها لأطول فترة ممكنة.

ويرى الاختصاصيون في الشأن الاقتصادي أن الشرط الأساسي للمعالجات يتطلب توصيفا صحيحا لأسباب الأزمة، ومقاربة علمية للحلول بعيدا من المزايدات والمناورات واللعب على عواطف الناس. وإذ يبدي هؤلاء تفهما لردة الفعل الشعبية الناقمة على المصارف والطبقة السياسية الحاكمة، فإنهم يشددون على أن الغضب هو حالة إنسانية طبيعية في مثل هذه الظروف، ولكن تداعياتها واستهدافاتها قد لا تعكس بالضرورة حقيقة الاسباب التي وضعت أموال اللبنانيين ومدخراتهم في دائرة الخطر.




ولعل السؤال الأبرز في هذا المجال هو هل أخطأ حاكم مصرف لبنان والمصارف في إقراض الدولة اللبنانية، وهل كان يفترض بالقيمين على القطاع المصرفي الامتناع عن توظيف أموال المودعين في سندات الخزينة؟

يجيب اقتصادي بارز في هذا المجال ل”المركزية” بأن توظيفات المصارف لأموال المودعين أخذت في الاعتبار مبدأ التوازن في التوظيفات لتأمين دورة اقتصادية متكاملة. كما أخذت في الاعتبار مبدأ توزيع المخاطر الذي يعتبر واحدا من أبرز القواعد العلمية الاقتصادية للاستثمار لتخفيف المخاطر على ودائع اللبنانيين في المصارف.

وعليه فإن سياسة توظيف الودائع التي تعاون عليها مصرف لبنان مع المصارف التجارية، توزعت وفقا للآتي:

1- تمويل القطاع الخاص الإنتاجي، من زراعة وصناعة وتجارة وسياحة ومشاريع صغيرة ومتوسطة وغيرها من القطاعات التي تؤمن فرص العمل ودورة انتاجية طبيعية.

2- تمويل في مجالات الاستقرار الاجتماعي وتعزيز القدرة الاستهلاكية للمواطن وإيجاد زبائن للأسواق المحلية من خلال قروض الإسكان والقروض الشخصية التي تسمح للبنانيين بتأمين حاجاتهم المعيشية من تعليم وتنقل وتأثيث المنازل وبناء العائلات وغيرها من الحاجات اليومية.

3- تمويل خزينة الدولة من خلال إقراض الحكومة لتأمين الخدمات العامة واستمرارية عمل الدولة (رواتب موظفين – مواد حيوية كالقمح والمحروقات والكهرباء وغيرها…)

ويلفت الاقتصادي البارز الى أن التوظيفات المشار اليها، غطت جوانب كثيرة من المسؤوليات التي أحجمت الحكومة عن تحملها بالاستناد الى صلاحياتها وواجباتها الدستورية، من خلال رسم وتطبيق السياسات في مجالات الاستقرار الاجتماعي والإسكان وتأمين فرص العمل والظروف المطلوبة لدورة اقتصادية طبيعية ومستدامة

لكن النتيجة التي وصلت اليها الأمور لناحية عجز الدولة وافلاس الخزينة دفع باللبنانيين الى اتهام المصارف بالتفريط بودائع الناس وبسوء إدارة المدخرات وبالتواطؤ بين إداراتها وبين الطبقة السياسية لتمويل الصفقات والعمولات والحياة الحزبية وعمليات الفساد والهدر والتوظيفات العشوائية، من دون أية ضمانات تحفظ حقوق المودعين.

يجيب الاقتصادي البارز على هذه المآخذ بالآتي:

1- إن الأسباب العميقة للأزمة المالية والاقتصادية الحالية تعود الى الظروف السياسية والأمنية الداخلية والخارجية التي عزلت لبنان اقتصاديا عن محيطه العربي والعالم، وعرّضته لعقوبات وتدابير أثرت سلبا على الدورة الاقتصادية والمالية، وجعلته يدفع كلفة حروب متتالية وتوترات على مدى العقود الثلاثة الماضية.

2- إن الأسباب المذكورة لم تنعكس فقط على خزينة الدولة، ولكنها انعكست كذلك على القطاع الخاص. وبالتالي وعلى افتراض ان المصارف حصرت توظيف ودائعها في قروض للقطاع الخاص فقط، فإن النتيجة لم تكن لتتغير لأن القطاع الخاص يعاني اليوم الأزمة ذاتها التي تعانيها الدولة. فالعقوبات والتدابير وكلفة الحروب العسكرية والتوترات الأمنية لم تنعكس فقط على الدولة كمؤسسات رسمية وخزينة، وإنما كذلك على القطاعات الصناعية والتجارية والصناعية والزراعية والسياحية والخدماتية كافة. وبالتالي فإن الإفلاسات التجارية الواسعة نتيجة عدم الاستقرار السياسي والأمني، تؤدي الى النتيجة ذاتها التي يؤدي اليها افلاس الدولة بالنسبة الى مصير الودائع. وليس النموذج القبرصي قبل سنوات سوى خير دليل على ذلك. فالدولة القبرصية لم تكن هي المفلسة، والمصارف القبرصية التي تعثرت لم تكن قد أقرضت الدولة، ومع ذلك فقد خسر المودعون الكثير من مدخراتهم نتيجة الظروف الاقتصادية والمالية العامة على الرغم من أن القروض التجارية كانت مغطاة بضمانات عقارية وعينية.

3- ليس صحيحا أن التوظيف في سندات الخزينة لم يكن مقابل ضمانات، بدليل أن تركيز الحكومة اليوم هو على كيفية التعاطي مع الدائنين الداخليين والخارجيين الذين يمكن أن يدّعوا على الدولة اللبنانية وينفذوا الحجز على أملاكها في لبنان والخارج. ومع ذلك يلفت الإقتصادي البارز إلى أن الضمانة الأساسية هي صدقية الدولة التي يمكنها من خلال كونها صاحبة القدرة على التشريع أن تسن القوانين الخاصة بال hair cut وال capital control  وغيرها على نحو يلغي كل مفاعيل الضمانات التي على أساسها استدانت من المصارف المحلية أو غيرها من الجهات الداخلية والخارجية.

ويخلص الاقتصادي البارز الى القول: إن مشكلة لبنان سياسية بالدرجة الأولى. أما المشكلة الاقتصادية والمالية فنتيجة للمشكلة السياسية، وبالتالي فإنه من الخطأ تحميل المسؤولية للمصارف بل للسلطة السياسية التي هي استمرار من خلال الحكومات المتعاقبة، من هنا فإنه يستحيل مقاربة الحلول من زوايا تقنية وقانونية ومالية ومصرفية ما لم يسبقها قرار واضح وصريح بمعالجة سياسية سيادية تعيد تأمين ظروف الاستقرار السياسي والأمني الداخلي، وتعيد ربط لبنان سياسيا واقتصاديا بالدول العربية والعالم، وترفع عن لبنان العقوبات والضغوط والتدابير الاستثنائية التي اتخذها المجتمع العربي والدولي نتيجة لسياسات الدولة اللبنانية التي تلقى تحفظات واعتراضات خارجية واضحة في أساسها ومفاعيلها وانعكاساتها

المركزية