//Put this in the section

الحقائق «الضائعة» بين قرارَي عويدات وابراهيم!

جورج شاهين – الجمهورية

الى الاعتقاد انه يمكن مقاربة القانون في لبنان من أكثر من زاوية، من المفترض البحث عن النتائج المترتبة على أي إجراء يستند إليه قبل الانتصار لنظرية على أخرى. وهو ما يسمح بالبحث عن «الحقائق الضائعة» بين قراري المدعي العام التمييزي غسان عويدات والمدعي العام المالي علي ابراهيم في شأن «منع التصرف» بأصول مجموعة مصارف قبل ان تتقدّم الشعبوية على كل بحث فتضيع المسؤوليات. كيف ولماذا؟




ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها المدعي العام التمييزي صلاحياته لتدارك ما هو أسوأ، فهو المرجع القضائي الذي عليه تصويب كل أداء. فقبل أشهر قليلة تدخّل في تجميد قرارات قضائية اتخذتها النائب العام في جبل لبنان القاضية غادة عون اعتبر فيها أنّ هناك «تجاوزاً لحد السلطة».

وتدخّل في الأمس لتوفير ما يمكن ان يترتّب على قرار المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم من ترددات خطيرة نتيجة وضع إشارة «منع التصرف» بأصول وممتلكات 21 مصرفاً لبنانياً وتعميمه على مختلف دوائر الدولة من عقارية ومالية وإدارية ومصرفية. فقد ترك القرار في اللحظة التي تلت صدوره تأويلات عدة ومختلفة نظراً الى عدم تقديم الأسباب الموجبة الكافية لتبرير ما فيه من عبارات تحتمل التأويل الى ما لا نهاية. عدا عمّا ترقّبته الأوساط المالية والقانونية من نتائج كارثية تمسّ سمعة القطاع المصرفي بكامله، وهو الذي ما زال المتنفّس اللبناني الوحيد على العالم في ظل الحصار الديبلوماسي والسياسي العربي والغربي الذي يتعرض له لبنان.

وباعتراف الجميع ومن مواقع مختلفة، فإنّ البلد يمر في أخطر الظروف المالية والنقدية وهو على عتبة قرارات متوقعة في شأن طريقة تعاطي لبنان مع مستحقات دفعة من «سندات اليوروبوندز»، وقد جنّدت لها معظم الكفايات المالية والنقدية القانونية اللبنانية منها وتلك الدولية التي استعين بها لمعاونة لبنان على اتخاذ القرار الأقل كلفة وخطورة على الوضع القائم في البلد. فهو يعيش مختلف انواع الأزمات المالية، المعيشية، البيئية، الصحية والوبائية التي تشابكت في ما بينها وجعلت منه بؤرة تتوالد فيها الأزمات كالفطر.

والى كل هذه المعطيات السلبية التي يصعب مقاربتها دفعة واحدة بفِعل التشابك بين ما هو سياسي واقتصادي وديبلوماسي وأمني على مستوى المنطقة ولبنان، فعند البحث عن المعطيات الدقيقة لا يمكن تجاهل حجم الأزمة السياسية التي يمر بها لبنان. فالحروب و«المواجهات الصامتة» بين أصحاب القرار بلغت الذروة عشيّة اتخاذ قرارات وصفت بأنها مصيرية وموجعة إزاء ما بلغه الوضع النقدي. وقد جنّدت لتوليده كل الكفايات المصرفية والمالية والقانونية المحلية والدولية عدا عن المؤسسات الوسيطة التي تم استدعاؤها للمشورة في الشأنين المالي والقانوني.

وعليه، فقد توسّعت ردات الفعل التي عبّر عنها مصرفيون ورجال مشهود لهم في القانون المالي والدستوري على شكل قرار إبراهيم وتوقيته ومضمونه. فقد اعتبر عدد منهم انه قرار «غير دستوري لأنه لا يستند الى أيّ سند قانوني، وفيه تعرّض للملكية الفردية، وهو بالتالي يخالف أحكام الدستور وأحكام الفقرة «واو» من المقدمة والمادة 15 من الدستور». ورغم طَمأنَة آخرين الى ان «لا تأثير مباشراً لقرار ابراهيم على اموال المودعين». وانّ «تأثيره الكبير معنوي، ولو بنحو غير مباشر على سمعة المصارف والقطاع برمّته». لكنهم لم يتجاهلوا مخاطره من «أن تعمد المصارف الدولية المراسلة للمصارف اللبنانية الى مزيد من الانسحاب من الساحة المالية اللبنانية».

وفي خطوة قرأها المراقبون الماليون والمصرفيون انها شَكّلت ترجمة للمخاوف المتعددة من تداعيات قرار ابراهيم، فقد جاء قرار عويدات الذي قضى بتجميده انعكاساً لها بمعزل عن مدى «صوابيته أو عدمه»، واعتباره «تدبيراً إدارياً مؤقتاً يمكن الرجوع عنه أو تجميده، متى أصبحت المصلحة الوطنية مهددة». ولكن ما يمكن التوقف عنده، يكمن في ما أضافه عويدات في قراره بربط نتائجه و«ما وَرده من مصادر موثوقة انّ السلطات المالية الدولية باشَرت في إيقاف التعامل مع المصارف والهيئات المالية اللبنانية، وفرضت ضمانات للعمل معها». ولذلك لجأ عويدات الى أحكام المادتين 13 و21 من قانون أصول المحاكمات الجزائية لتجميده «بكامل مفاعيله الى حين درس تأثيره على النقد الوطني وعلى المعاملات المصرفية، وعلى أموال المودعين وعلى الأمن الاقتصادي».

وأمام هذه المواجهة بوجوهها القضائية والقانونية البحتة، وَجب على من يبحث عن أسبابها في قرارَي ابراهيم وعويدات لتحديد صوابية أي منهما أن يعود الى قراءتها بوجهها السياسي. فقد ظهر واضحاً عندما تفرّدت محطة «NBN» بإذاعة قرار ابراهيم قبل غيرها والتسويق الذي خاضَته وسائل إعلام الثنائي الشيعي وخلفياته في مواجهة أخرى قرأته بطريقة مغايرة انه جاء في إطار المواجهة السياسية القائمة بين اركان الحكم، وتحديداً بين الثنائي الشيعي من جهة وبقية المكوّنات الحكومية بمَن فيها حليفهم «التيار الوطني الحر» الذي رفض المَس بالقطاع المصرفي في هذا التوقيت بالذات. من دون التراجع عن مواقفهم التي تعدد الأخطاء التي ارتكبت في القطاع المصرفي وحاكمية مصرف لبنان، وسط صعوبة الفصل في ما بينها وما ارتكبته الحكومات السابقة من موبقات مَسّت بالمال العام.

ومن دون الدخول في كثير من التفاصيل، فما هو واضح انّ حال الضياع وفقدان البوصلة الحقيقية المؤدية الى القرار الذي يمكن اتخاذه اليوم في شأن مصير مستحقات مالكي «سندات اليوروبوندز» دفعاً او تأجيلاً، عدا عن الخلاف حول طريقة التعاطي مع بعثة صندوق النقد الدولي انه نتيجة للخلافات المُستحكمة. ففي ظل الغموض الذي لم يقدم أي مؤشّر لِما يمكن ان يكون عليه قرار الحكومة اللبنانية، فإنّ الأنظار شاخصة اليوم الى ما يمكن ان ينتهي إليه اللقاء الرئاسي ـ المالي والوزاري الذي سيجمع عون مع بري ودياب وأعضاء اللجنة الوزارية إضافة الى الخبراء المحليين والدوليين، والذي سيترجم في جلسة الحكومة التي تليه عند الأولى بعد الظهر.

والى ان تتّضِح عناوين المرحلة المقبلة، يبقى من المهم جداً الاعتراف بصعوبة البحث عن «الحقائق الضائعة» في هذا الملف المعقد. فقد تداخلت فيه المعطيات السياسية بالمالية والقانونية، وحالت التداخلات دون استشراف المرحلة المقبلة ومدى صعوبتها. وهي عناصر تدعونا الى الاستعداد لولوجها بدقة متناهية ووَعي كاف للحقائق الثابتة بعيداً من منطق الاتهامات. فما بعد التاسع من آذار غير ما قبله بالتأكيد، ويبقى الرهان على قدرة لبنان حكومة وشعباً على عبور هذه المرحلة الخطيرة.

وطالما انّ الدولة عاجزة عن الصمود ما على اللبنانيين سوى الدعاء لعبورها بأقل الخسائر الممكنة، وترقّب ما يمكن ان تقود إليه الثورة المتيقظة. فقد يكون ما سيحصل مؤشراً الى بدء الـ«PART 3» من «انتفاضة الجوع» التي سيشارك فيها اللبنانيون رفضاً لِما بات ينقصهم على أكثر من صعيد، فلننتظر.