//Put this in the section
نبيل بومنصف - النهار

تشريعات أم فوضى الشعبوية؟ – نبيل بومنصف – النهار

تطالع اللبنانيين في يوميات الكارثة المالية والاجتماعية نماذج لا تتوقف عن الفوضى الخيالية التي يغرق فيها لبنان الدولة (اذا كانت التسمية لا تزال جائزة) اي المجتمع السياسي والمجتمع المدني.

رأينا ونرى النموذج الاكثر سخونة عن تخبط الطاقم الحاكم في الارتباك حيال ملف سداد سندات الاوروبوند فاذا بنا امام تحولات جعلت اقطابا من قوى 8 آذار خبراء استراتيجيين ماليين يطلقون علينا الدروس والقرارات الجاهزة في ما يجوز ولا يجوز وصولا الى ترجمة قرار سياسي متخذ سلفا سيملى على الحكومة بلا زيادة او نقصان. رأينا وسنرى تباعا الفضائح المتدحرجة في ملف الكهرباء والتي زادت الآن تشويقا وإبداعاً في ملف محطات التغويز (الكلمة البشعة المشتقة من الغاز) والتي ستعيدنا الى مآثر الذين يمسكون بخناق الطاقة والكهرباء منذ اكثر من عقد وهم يرشقون الآخرين بالفساد ويغسلون أيديهم من نحو 50 مليار دولار تشكل نصف الدين العام. وها نحن على موعد مع عناوين طالعة براقة تتصدرها التشريعات المالية التي تتطاير مشاريعها المرتجلة في كل اتجاه بفعل اشتداد الازمة بما يستتبع حكما اشتداد الحاجة الى قوانين محدثة ترسم اطار لبنان ما بعد الكارثة على افتراض ان لبنان سيخرج منها في المدى المنظور!




واذا كان بديهيا ان يواكب مجلس النواب الازمة الوجودية هذه باستنفار تشريعي مفتوح لإقامة البنى القانونية الضرورية لحماية الدولة والمواطن والنظام ومنع تمدد الانهيار الى آخر معالم الانتظام الدستوري فان ذلك لا يحجب النظرة المقلقة للغاية الى موسم مزايدات نراه اخطر ما يمكن ان يواجه المجلس والدولة كلا اذا تمادت الامور في ظله وراحت التشريعات والقرارات تتناسل في ظل فوضاه كأننا في شريعة الشعبوية المطلقة.

تقف البلاد الان عند مشارف قرارات وتشريعات اهمها يتصل بأخطر ما أنتجته الازمة المصرفية والمالية لجهة تهديد ودائع معظم اللبنانيين والتي ستكون محور مشروع قانون “الكابيتال كونترول” (التسمية المشؤومة الاخرى) كما مشروع مرتجل لاسقاط السرية المصرفية بالكامل كما مشروع استعادة الأموال المنهوبة والمهربة الى مجموعة أخرى من المشاريع. ان الناظر الى عناوين هذه المشاريع والحال التشريعية المواكبة للازمة سيسره ان يرى برلمانا نشطا متفاعلا مع موجبات أخطر ازمة عرفها لبنان في تاريخه. ولكن ما بدأ يفيض عن جوانب الصراخ والمزايدات والمنابر المفتوحة امام المزايدين يطرح النقطة الاخطر من كل ما سبق وهي المتصلة بخطر تحول الفوضى السائدة والمتطايرة بين المشرعين الذين يتنافسون على المزايدات بين مجلس النواب ومجلس الوزراء والشاشات الى ما يشبه حقل ألغام من شأنه الإطاحة نهائيا بالنظام السياسي والاقتصادي سواء بسواء بدل تطوير القوانين والانظمة والقرارات الصدئة وإخراج البلد من محنته. تتصاعد هذه الفوضى من دون اي بوصلة دقيقة وبلا اي استراتيجية موحدة بين الحكومة والمجلس كأننا في نظام قبلي وعشائري يبيح لكل جماعة اطلاق أحكامها الجاهزة بارتجال خيالي.

فهل تراهم يصدقون ان ملء الشاشات المملة بأطروحات التنظير والمشاريع التجريبية سيكون القوت الكافي للبنانيين الذين بدأ الفقر المتسع يتهدد النسبة الساحقة منهم ويحولهم الى ثوار بالقوة ان لم يكن بالاقتناع؟