//Put this in the section
وليد شقير | نداء الوطن

إن كنت تدري فتلك مصيبة… – وليد شقير – نداء الوطن

بقدر ما تحتاج الحلول التقنية والنقدية للمأزق الاقتصادي المالي الذي يغرق فيه لبنان إلى تجنب تسييسها، لا سيما عند مقاربة مسألة تسديد الدين المستحق يوم الإثنين المقبل، بقدر ما تحتاج أزمته أيضاً إلى الحلول السياسية من أجل فتح أفق المساعدة الخارجية لماليته العامة القاصرة، نتيجة سنوات من النهب والتعطيل والأزمات المتناسلة.

الأفظع أن لبنان يترنح بين خيارات متناقضة ومتناثرة تزيد من صعوبة إنقاذه مما هو فيه، لشدة التعقيدات المتراكمة التي أوصلته إلى المأزق المالي، بحيث يعجز المواطن العادي عن الحصول على مبالغ ادّخرها من أجل تأمين قوت يومه. لذلك يصعب الدفاع عن المصارف في خضم الحملات التي تستهدفها والأتون الذي يعيشه اللبنانيون جراء التصرف بودائعهم طوال السنوات الأخيرة. إلا أنه يستحيل أيضاً الوقوع في فخ التصويب على المصارف من أجل التغطية على ما اقترفته أيدي الطبقة السياسية الحاكمة، لا سيما في السنوات القليلة الماضية التي ازداد خلالها جشعها وتسلطها على المال العام والخاص في شكل قلّ نظيره. غلطة العديد من المصارف أنها خرقت الأصول إرضاء للطبقة السياسية ولتمويل جشعها.




لم يعد ممكناً اجتراح الحلول ببعض الخواطر وردود الفعل. وإذا صح أن قرار تجميد أصول وممتلكات المصارف وأملاكها أمس جاء جواباً على رد بعض المصرفيين التهمة الموجهة ضدهم، إلى السياسيين بالتسبب بالأزمة المالية، فإن هناك من يتعاطى مع القطاع المصرفي والمالي بطريقة عشوائية لا تقدر عواقب كيديات من هذا النوع، يصلح معها ترداد القول الشائع: “إن كنت تدري فتلك مصيبة، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم”. والأسوأ أن يصبح بعض السياسيين أسرى مواقفهم في مسألة لا تحتمل الآراء السطحية في التعامل مع الدائنين المحليين والأجانب.

يهرب بعض حديثي المعرفة بالشأن المالي من السياسيين، من العجز عن اجتراح الحلول التقنية نحو أفكار بالية عفى عليها الزمن، لا تفعل سوى تحويل لبنان إلى فنزويلا ثانية. فلماذا لا يترك هؤلاء لوزير المال غازي وزني أن ينصرف إلى المعالجات وفق خبرته وبهدوء بلا ضجيج ولا شعبوية؟ ومن هم الفرقاء الذين يريدون له أن يفشل ويتنطحون لأخذ دوره؟

إذا كان للسياسة دورها في خلفية البحث عن الحلول قد يكون على جهابذتها أن يقتنعوا بلا مواربة أنه يستحيل على لبنان أن يخرج من هذه الأزمة بإمكانياته الذاتية. من نافل القول أن الخارج (وهو مزيج من صندوق النقد والدول) الذي يفترض أن يعينه يشترط الإصلاح، المرادف لمطلب كف أيدي القوى السياسية التي باسم الشراكة في الحكم واستعادة الحقوق، شرّعت المحاصصة في الفساد وحالت التجاذبات على السلطة دون تنفيذ وعود “سيدر” وغيره. الأكثر صحة أيضاً أن مساعدة الخارج للبنان متصلة بمراجعة سياسته الخارجية في شكل جدي وليس بالبيانات. فمَن مِن العرب سيقتنع بتمويل نهوضه وتأمين السيولة له، بينما يشاهدون الجثث تعود من إدلب على الشكل الذي حصل؟