//Put this in the section

لعبة تغيير وجه لبنان ونظامه، من يلعبها ومن يدفع ثمنها؟

سابين عويس – النهار

على مسافة يومين من انعقاد جلسة مالية لمجلس الوزراء السبت من اجل اعلان قرار الحكومة في شأن اصدار الاوروبوندز المستحق في التاسع من الشهر الجاري، بدت البلاد في حال غير مسبوقة من التخبط والبلبلة على خلفية تفاقم أزمات متفجرة نقديا وماليا ومصرفيا واقتصاديا واجتماعيات، بحيث لم تنج جبهة من شظايا انعدام الرؤية والقرار حيال معالجة الازمات المطروحة.




ففي حين كان الدولار الاميركي يواصل ارتفاعاته في السوق الموازية لدى الصرافين، فاجأ المدعي العام المالي الوسط المصرفي بإجراء لم تتضح حيثياته وخلفياته، وإن كان هناك إجماع في الوسط المصرفي على خلفيته السياسية قبل أي أمر آخر، سيما وان القاضي ابرهيم يدور ضمن حلقة رئيس المجلس النيابي الذي شهر سيف المواجهة في وجه المصارف، منذ تفجيره قنبلة المصارف الخمسة التي حولت اموالها الى الخارج، وكرت بعدها السبحة بناء على ما اعتبر إخبار من بري امام النيابة العامة المالية، فبدأ ابرهيم الاستماع الى مجموعة من اصحاب وممثلي 14 مصرفا على ان يستكمل ذلك بجولة استماع ثانية، قطعها امس بقراره وضع اشارة منع تصرف على اصول 20 مصرفا من اكبر المصارف العاملة في لبنان. وهو قرار أثار بلبلة وهلعا في اوساط المودعين وسط غموض يشوب القرار والمسوغ القانوني الذي استند عليه ابرهيم، خصوصا وان القرار لم يلحظ الاسباب الموجبة او الاتهامات او التحقيقات التي استند عليها، لكنه رمى في الواقع الى منع المصارف من القيام بأي تحويلات جدية محتملة الى الخارج.

لم تتلقف المصارف القرار بحسن نية، بل أثار لديها مخاوف من أن يكون في سياق الضغوط التي تتعرض لها منذ لجوئها الى القيود والاجراءات المتشددة في حق المودعين، مقابل قيامها بتحويل ودائع الى الخارج وتسييل سندات اوروبوندز لدى صناديق اجنبية.

يتلمس القطاع المصرفي الحملة الممنهجة التي يتعرض لها والتي كان يعتقد انها تأتي في إطار الضغوط السياسية نتيجة التزام المصارف بقانون العقوبات الاميركي على ” حزب الله”، ولكن بدأ يتضح لهذا القطاع ان الحملة التي استهدفت ايضا وفي الدرجة الاولى حاكم المصرف المركزي، لا تقف عند هذا الحد، بل هي تسعى وراء اهداف اخرى على المدى الابعد، وتصب في خانتين:

– الاولى تحميل المصرف المركزي والمصارف مسؤولية هدر اموال المودعين، ووضع هذين الطرفين في قفص الاتهام، بما يساعد على تصويب السهام في اتجاهمما كما حصل ضمن حملة الشارع تحت شعار “فليسقط حكم المصرف”، ويحجب الانظار عن المسؤول الاول عن تبخر الودائع التي وُظف الجزء الاكبر منها في تمويل عجز الدولة وتغطية نفقاتها المهدورة من دون اي مردود انتاجي على الاقتصاد. لكن ما يغفله الساعون وراء هذه الحملة ان سقوط المصارف ودفعها نحو اشهار افلاسها، لن يحمي رؤوس القوى السياسية المتلطية وراء هذه الحملة، على قاعدة “نحن السابقون وانتم اللاحقون”، لأن الانفجار الكبير لم يحصل بعد، والمراهنون على انطفاء غضب الشارع، يخطئون اذا اعتقدوا ان هذا هو السقف الاعلى للانتفاضة الشعبية.

ولا تخفي مصادر اقتصادية في هذا المجال قلقها البالغ من العامل الامني الذي يمكن ان يدخل على خط الانفجار فيزيده عمقا وخطرا.

– الخانة الثانية تكمن في العمل الممنهج لإسقاط النموذج الاقتصادي والمالي القائم، ليس من باب عدم جدواه، وإنما من باب تغيير وجه لبنان الاقتصادي ونظامه الليبرالي الحر. وهذا الامر يتجلى بوضوح من خلال القرارات العشوائية التي تصدر، ان من خلال المس بحرية انتقال الاموال من دون سن قانون يؤكد على ظرفية واستثنائية مثل هذا الاجراء، او من خلال اصدار قرار منع تصرف بأملاك واصول مصرفيين من دون الاستناد الى مواد قانونية واضحة سيما وان المصارف تخضع لقانون النقد والتسليف.

في الخلاصة، تتلمس المصارف التي تداعت الى جمعية عمومية امس لبحث تداعيات القرار، تنامي الضغوط الحكومية عليها، بعدما رفضت تلبية طلب الحكومة بتمويل اصدار الاوروبوندز من اموالها الخاصة. ذلك ان الاقتراح الذي تقدمت به المصارف تجلى في تأمين التمويل عبر تحرير المبلغ المجمد لحسابها لدى المصرف المركزي. وقد رفضت الحكومة هذا الاقتراح كما رفضه حاكم المصرف المركزي لأنه سيؤدي عمليا الى اقتطاع المبلغ من الاحتياطات المتبقية لدى المركزي بالعملات الاجنبية.

وتكشف مصادر وزارية مطلعة ان الوقت المتبقي والفاصل عن موعد اعلان قرار التخلف لم يعد كافيا للدخول في مفاوضات مع الدائنين الاجانب، وهو ما ابلغه للحكومة صراحة المكتب الاستشاري “لازارد” المكلف ادارة المفاوضات، ما يعني عمليا ان لبنان ذاهب السبت الى اعلان تخلف غير منظم عن السداد، وهو ما أسرت به المصادر، القلقة جدا من تداعيات هكذا قرار على لبنان!