//Put this in the section
حنا صالح - الشرق الأوسط

«لأنكم لا تستطيعون حمايتنا… استقيلوا» – حنا صالح – الشرق الأوسط

لم يتأخر الاحتجاج، ساعات على انتهاء ساكن السراي من خطابه أمام القناصل، حتى قطع المتظاهرون الغاضبون العديد من الجسور والطرق الرئيسية في بيروت وسائر المناطق، والشعارات المرفوعة تراوحت بين: «لا ثقة… استقيلوا»، و«لا ثقة ارحل»!

قال رئيس حكومة المستشارين: «بكل صراحة لم تعد هذه الدولة، في ظلِّ واقعها الراهن، قادرة على حماية اللبنانيين وتأمين الحياة الكريمة لهم».




وأضاف: «وبكل شفافية فقدت هذه الدولة ثقة اللبنانيين بها». إذن في الثاني من مارس (آذار)، أقر بالفشل وبعجزه، وقد استغرق ذلك مرور 41 يوماً من عمر الحكومة التي تشكلت في 21 يناير (كانون الثاني)، بعدما كان التكليف قد تم في 19 ديسمبر (كانون الأول)، أي قبل 74 يوماً كانت أكثر من كافية لأي حاكمٍ جاد لكي يقدم رؤية لمسار إنقاذي للبلد. وكان المنطق السليم يفترض بقائل هذا الكلام أن يُكمل: «وها أنا أعلن استقالة حكومتي وليأتِ غيري ليقود دفة السلطة لحماية العباد والبلاد… أقله لأن السلوك والأداء لم يمكّنا المواطنين من معرفة ماذا يعرف عن الواقع الحقيقي للبلد»!

أما وإنه أقر بالفشل والعجز عن القيام بأي تغيير ورغم ذلك اختار البقاء بذريعة أن «الخيارات الأخرى هي أخطر بكثير» فهنا الطامة الكبرى، لأن ذلك يشي بأن الفريق الحقيقي الممسك بخيوط الحكم وراء حكومة الأقنعة ماضٍ في نهج فرض حلوله على حساب الناس الأكثر عوزاً وحاجة، لأن هذه الحكومة ارتضت، برئيسها وأعضائها، المضيّ في منحى تجاهل مبدأ تحميل وزر الانهيار وتكلفته لمن تسبب به، وهم مافيا الصفقات والسمسرات والتبعية للخارج والكارتل المصرفي وسائر حيتان المال، الذين راكموا الثروات نتيجة مد اليد على المال العام وجنى عمر المواطنين حيث نُهبت الودائع!

أمر خطير أن يتحدث رئيس حكومة كأنه مواطن من المواطنين المحكومين. هو تتجمع بين يديه، كرئيس للسلطة التنفيذية، كل مقدرات البلد وقدرات أجهزته، وبالتالي هو الشخص المطالَب بمنع سقوط الدولة في العجز عن حماية الناس، فجاء إعلانه بالصورة والصوت، بمثابة الإقرار بانسحاب الدولة من مسؤولياتها وواجباتها في الحماية وتأمين الحقوق، فبدا كأنه يقول للناس اذهبوا حلوا أموركم بأنفسكم، أعلنوها فوضى واستعيدوا حقوقكم بأيديكم! وباختصار مثّل الخطاب الحكومي أمام القناصل فتحاً في تاريخ حكومات لبنان بإعلان الاستقالة من المسؤولية! وبعدها البقاء في كرسي الحكم!

غير أن أكثرية اللبنانيين، منذ «17 تشرين»، يوم فاضت الكأس وخرج الناس إلى الساحات رفضاً لعقودٍ من التمادي في انتهاك كراماتهم وإذلالهم، انتقلت إلى المقلب الآخر البديل عن عالم فوضى السمسرات والصفقات المحمية بتغول الدويلة على الدولة، فأظهر المواطنون في سلوكهم وممارساتهم بشكلٍ طبيعي القدرة على بناء جسور ثقة بين بعضهم وبعض وبين المناطق، ما أعاد البسمة إلى الوجوه رغم القهر، وأحيا الأمل في أن وحدتهم التي بُنيت على التقاء مصالحهم هي المسار الحقيقي لإنقاذٍ آتٍ مع التغيير السياسي الذي سيمكّن اللبنانيين من استعادة دولتهم المخطوفة. ولأنهم في كل ساحات لبنان يمتلكون الوضوح، قالوا من البداية إنه لا مهل لهذه التركيبة ولا ثقة، وعدّوا إسقاط الحكومة الممر لفرض التراجع على التحالف الذي اختار ممثليه من مستشارين ورأَّس عليهم دياب الذي يعرف أن قبوله وزراء – وكلاء، سيقود إلى المأزق، وهو يعرف أن المواطنين يعرفون من هو صاحب القرار! وهم على قناعة كاملة بأن الحلول غير ممكنة في ظلِّ هذه السلطة.

اكتشف المواطن بعد «17 تشرين» أنه تعرض لخداعٍ غير مسبوق ممن هم «أولياء الأمر» المسؤولون عن منهبة العصر، وأنهم هم من أفقر البلد وجوّعه، وبات يدل بالإصبع على المرتكبين واحداً واحداً، ما وضع كل التحالف الطائفي تحت اتهام ارتكاب كل الموبقات، وبات الناس يُجمعون على شعار الثورة: «كلن يعني كلن»، ما أدى إلى إقفال الفضاء العام على كل الطبقة السياسية… بعدها تعرض الشارع لكل الضغوط والتعديات لإضعافه ومحاولات الاختراق لحرف مساره، وأخذه إلى عناوين مطلبية مشروعة استغلت وجع الناس من إذلال المصارف لكنها تبقى جانبية رغم أهميتها، عاد واستعاد، وإنْ بصعوبة، وهذا ما تمثله مظاهرات أيام السبت المتتالية، القدرة على التصويب على نظام المحاصصة المذهبي والحزبي الفاسد، الذي تموضع «حزب الله» على رأس المدافعين عنه، وتالياً كحامٍ لصيغة طائفية تقوم على مبدأ التسليم بعدم المساواة بين اللبنانيين.

إن خطبة الإفلاس والمكابرة والإصرار على نهج عدم المساواة وابتزاز الناس بالجوع، ورد الشارع بالمطالبة بالرحيل، ثم مسارعة دياب لوصف منتقديه بأنهم أوركسترا اجتزأت الحقائق وذهبت إلى التزوير والتحريض، أمر مألوف في مسار السياسيين الذين يعمدون إلى محاولة «تغطية السماوات بالقبوات» ظناً منهم أن مثل هذا الضجيج يغطي عملية دفع البلد إلى خيارات قاتمة كي يستمر النهج الذي أوصل البلد إلى الانهيار. وهذه الخيارات تتجسد أكثر ما تتجسد في ثلاثة مثالب ميّزت ممارسات السلطة وهي: انتهاك الحريات العامة، والانحياز السافر إلى حيتان المال على حساب العموم، والثالث بلغ حد المؤامرة على حياة الناس!

«الإنجاز» الأبرز بدأ مع ارتفاع جدران من الكراهية حول المقرات الرسمية، مجلس نواب وحكومة، وإقامة فواصل إسمنتية بين الناس والسلطة التي سُحبت منها الشرعية الشعبية، والقصد عدم الاستماع إلى وجع المواطنين ومطالبهم واتسع هذا المنحى من خلال التمادي في استدعاء مئات الثوار إلى التحقيق، وممارسة الضغوط عليهم وكل جريمتهم وقفة صلبة بوجه الفساد والفاسدين وحتى اللحظة لم يُرشق فاسد بوردة، ويبدو المنحى واضح، وهو استسهال الذهاب إلى نوع من قيام الدولة الأمنية لأنهم يرفضون العمل على تلبية الحقوق.

و«الإنجاز» الثاني تمثل في مزيد من الضغوط على القضاء، من أجل منعه من إصدار الأحكام النافذة ضد الكارتل المصرفي الذي شرّع قوانينه الخاصة لنهب الودائع، فكان التنكر غير المسبوق لأكبر عملية اختلاس طاولت جني أعمار الناس.

و«الإنجاز» الثالث الكارثي فوق كل هذا الانهيار، تمثل في التآمر على حياة اللبنانيين. ولأن مصلحة «حزب الله» الحاكم الفعلي للبلد، قضت ببقاء الجسر الجوي بين بيروت وطهران، الذي تحوّل كمن يستورد فيروس «كورونا»، راحت السلطة تمارس خداع الناس وتضليلهم، وتتلكأ عن الحد الأدنى من إجراءات الوقاية كالحجر الصحي الإلزامي حمايةً للجميع، فكان استسهال تعريض حياة الناس والاكتفاء بإقفال المدارس وفتح الحدود.

غضب المواطنين ليس مفتعلاً فهم صبروا حتى تعب الصبر، والمهمة الجليلة والوحيدة تكمن في استعادة السلطة ليتحرر البلد والمواطن من هذه التفرقة والمكابرة واستسهال انتهاك الحقوق، والثورة التي حازت ثقة الناس هي أملهم أمام تحدي إيجاد مسار إعادة صياغة التاريخ الحقيقي للبلد.