//Put this in the section

سقوط الحكومة في ”مادّة” النأي بالنفس عند أوّل امتحان؟

مجد بو مجاهد – النهار

يُخطئ المراهنون على اهتمام سوريّ بالحكومة اللبنانية. النظام لا يبالي، وما عنده يكفيه. الخريطة السياسيّة السوريّة إلى تبدّل، وأحزاب متنوّعة تحجز تواريخ ولادة، لحظة يبزغ الحلّ السياسيّ. تغيّرت سوريا ولبنان تغيّر. ما بعد 17 تشرين الأوّل ليس كما قبله. لكنّ الحكومة اللبنانية “التغييريّة” المتغذّية من لحم أكتاف المنتفضين، تتعامل مع الواقع كما لو أنّه ماضٍ. تنادي بمبدأ النأي بالنفس، ويتنافس بعض وزرائها على خرقه. المبادرة الروسيّة لاعادة النازحين السوريين من لبنان متوقّفة، ولا يمكن ترجمتها من دون الحلّ السياسيّ، هذا ما تجمع عليه المعلومات والانطباعات. أكثر من جهة سياسية لبنانية سمعت أيضاً من ديبلوماسيين أن عودة النازحين لن تكون مرتبطة بالنظام، بل من شأنها أن تُترجم بثلاثية الحلّ السياسي واعادة الاعمار وتالياً العودة، خصوصاً أن شرائح واسعة من الهاربين من نيران الحرب الى دول اوروبية لم يحصلوا بعد على حقّ اللجوء، وأنّ مناطق سوريّة واسعة لا يزال مصيرها السياسيّ مرتبطاً بمصالحات بُعدها دوليّ. هذا يعني أنّ الرهان على عودتهم يبقى عند تظهّر الحلّ السياسي.




أيّ حلّ من شأنه أن يرسم تقاسماً للحكم في سوريا، والسؤال هو: من سيجلس على طاولة السلطة التنفيذيّة؟ وتُرجّح خلاصات خبراء تعمّقوا في دراسة الديموغرافيا السوريّة وتوجّهات شعوب المناطق داخلها، أن تُرسم خرائط الحلّ على هيئة لامركزيّات ادارية موسّعة تساهم في اشراك السُنّة والأكراد في الحكم. الاختلاف العموديّ في التوجّهات السياسية الكرديّة يتيح قيام أكثر من حزب كردي، مثلاً. بمعنى آخر، يرتبط الحلّ بتقاسم نفوذ دوليّ بين أكثر من دولة مؤثّرة في المنطقة… وليس بحكم أحاديّ.

في لبنان، أثارت زيارة وزير الشؤون الاجتماعية والسياحة رمزي مشرفيّة الى دمشق استغراب أوساط سياسيّة حول الفائدة منها، وما اذا كانت خطوة تصبّ فعلاً في مصلحة الحكومة التي تشيد بالنأي بالنفس. في الانطباعات، أن خطوات متلاحقة في هذا المجال، انطلقت عبر زيارة السفير السوري الى السرايا الحكوميّة، هي بمثابة تسليم من الحكومة بعدم قدرتها على اقناع الدول العربيّة والغربيّة بعد رهان أوليّ على امكان النجاح في استقطاب اهتمام العرب والغرب تحت عنوان الحكومة المستقلّة غير المرتبطة باعتبارات سياسيّة. الحكومة باتت متيقّنة من أفقها المسدود. سقوط رهان من هذا النوع، أسقط القناع وبدّل خريطة الطريق ووجهة الحكومة. ويأتي ذلك مع تسليم رئيس الحكومة حسان دياب بعدم قدرة الدولة في ظلّ الواقع الراهن على حماية اللبنانيين وتأمين حياة كريمة لهم. أهميّة كلام من هذا النوع أنّه صدر خلال استقبال دياب أعضاء السلك القنصلي الفخري في لبنان.

روّج الوزير مشرفيّة زيارته الى سوريا (هو مكلّف ملف النازحين)، التي التقى خلالها وزراء الإدارة المحلية والبيئة والشؤون الإجتماعية والعمل والسياحة، على أنّها عرضت ملف النازحين السوريين وكيفيّة تأمين عودة آمنة وكريمة لهم بالتعاون بين الدولتين اللبنانية والسورية وبالتنسيق مع المنظمات الدولية المعنيّة بهذا الملف، تطبيقاً لما ورد في البيان الوزاري للحكومة الحالية في الشق المتعلّق بملف النزوح. وفي النتائج التي رُوّج لها، شُدّد على “ضرورة تفعيل التنسيق ووضع كلّ الإمكانات والسبل الآيلة للوصول إلى تحقيق عودة أبناء الوطن إلى قراهم ومنازلهم”.

في كلّ الأحوال، لا فائدة من زيارة دمشق، وهي خطوة لا تصب في مصلحة الحكومة. في تقويم معارضين لها، الزيارة تضرب مبدأ النأي بالنفس وتنسف الكلام الذي تحاول تظهيره على أنّها على مسافة من الجميع، خصوصاً أنها زيارة من دون مردود أو سبب أو أفق.

اهتمام الحكومة بالتطبيع مع دمشق لا يقابله اهتمامٌ موازٍ. الصفة التي يمكن اسقاطها عليها هي حكومة على تقاطع مع طهران، أو حكومة “حزب الله” على ما أُطلق عليها لبنانياً. في المعلومات، أنّ مسؤولاً بارزاً في حزب سياسيّ موالٍ للنظام السوريّ كان زار دمشق قبل ثمانٍ وأربعين ساعة من صدور موقف عن حزبه بمنح الثقة للحكومة من عدمها. تظهّر الموقف بعد الزيارة من دون أن يكون ثمّة ضرورة في الربط العلميّ بين الحدثين. لكنّ تسلسل الأحداث يأتي على الشكل الآتي: زيارة قبل ثمانٍ وأربعين ساعة، تبعها قرار حزبيّ بعدم منح نوّاب الحزب نفسه الثقة للحكومة. هذا من شأنه أن يرسم علامات استفهام حول حقيقة العلاقة ومستقبلها بين ايران والميدان السوريّ. يردّد البعض أن العالم إلى تبدّل، وحركة “طالبان” التي كانت حليفة ايران أمست بين ليلة وضحاها حليفة الولايات المتحدة الاميركية. لا يغيب عن مشهد متعمّقين في دراسة ميزان القوى في الميدان السوريّ، أن الروس يسعون أخيراً إلى إخراج النفوذ الايراني العسكريّ من سوريا.

قبل أيام، وقف الروس على الحياد في المواجهة العسكرية الدائرة بين الجيش التركيّ ومقاتلي “حزب الله”… هل تكون ايران و”حكومتها” في لبنان الخاسر الأكبر في المنطقة في مرحلة مقبلة؟