//Put this in the section
راجح الخوري

مساخر ”القجة” اللبنانية! – راجح الخوري – النهار

كان من المعقول لو بقيت الأمور كما رأى الوزير غازي وزني أولاً، عندما كانت الحكومة غارقة في البحث عن طريقة الخروج من مأزق “اليوروبوندز”، إذ قال إن إستحقاق “اليوروبوندز” كان في الأعوام الماضية طبيعياً، لكنه بات اليوم عملية مصيرية إقتصادياً ومالياً وأن أي قرار يُتخَذ سيضع البلد على خط اليمين أو على خط اليسار وان الإختيار المتاح امام لبنان هو بين السيئ والأسوأ.

كان المقصود ان خيار لبنان هيكلة الدين، أما ان تكون بطريقة منظمة وإما بطريقة غير منظمة، ولكل من الطريقتين سلبيات وإيجابيات. الى هنا يبدو الأمر مفهوماً، لكن سرعان ما تبيّن ان هناك ما هو أكثر من الأسوأ، خصوصاً بعد وقوع الحكومة في عقدة الشركات التي قررت الإعتماد عليها لدراسة الموضوع، فقد استبعدت شركة “ديكيرت”، التي يمثلها الوزير السابق كميل أبوسليمان، على خلفية ما قيل إنه تضارب في المصالح بإعتباره محامياً لعدد من المصارف من حاملي السندات.




لكن بعدما درست الحكومة ومحّصت، إختارت العمل من أصل ثماني شركات، مع شركتي “لازار” للإستشارة المالية و”هاميلتون” للإستشارة القانونية، وبعد ظهور تحفظات من الثنائية الشيعية على صوابية الإستعانة بشركات عالمية، خصوصاً عندما تبيّن ان معظم الخبراء العاملين في هذا الحقل كما في الشركتين، لديهم تمثيل لدى إسرائيل وبينهم إسرائيليون، أجرت الحكومة اتصالات سريعة مع الرئيس نبيه بري فوافق بعد استطلاعات على تكليف الشركتين، ولم تظهر معارضة من “حزب الله” على الأمر.

ثم جاءت المفاجأة في جلسة مجلس الوزراء عندما عارض وزراء الثنائية ووزير “المردة” التعاون مع الشركتين، رغم محاولات فريق عون – دياب الوزاري وهو ما أدى الى التصويت، ودفع في النهاية الوزير وزني، الذي يؤيد التعاون مع الشركتين الى القول انه إلتزم موقف فريقه السياسي لكنه غير مقتنع بصوابية الموقف.

المثير وما لا يصدّق في كل هذه الفوضى الغريبة، ليس ان لبنان وحكومته التي قيل أنها حكومة إختصاصيين وجاءت للإنقاذ، تتخبط في هذه المسألة قبل أسبوعين من إستحقاقات داهمة منذ أشهر لا بل منذ أعوام، ولا أنها كما قيل جماعة من الإختصاصيين تبحث عن إختصاصيين من الخارج، لحل مشاكل يبدو أنها لا تعرف كيف تعالجها أو تقاربها لتختار بين السيئ والأسوأ، بل انها ترتكب المزيد من الأسوأ عندما تقرر التعاون مع شركات لا تعرف عنها وعمّن يملكها ويديرها شيئاً، ولا تدرك ان بين خبرائها ومدرائها إسرائيليين، ونحن نتحدث عن شركات عالمية يكفي ان تدخل الى “غوغل” مثلاً لتعرف من هي هذه الشركات!

الأكثر إثارة أو بالأحرى سوءاً، انهم لا يعرفون معنى الترابط الدولي للمعلومات في العصر الرقمي، خصوصاً في القضايا والملفات المالية، فكيف تلك التي تتعلق بديون الدول وإصداراتها من “اليوروبوندز” وغيرها. والغريب ان يتخيّل البعض في لبنان أو في أي بلد من هذا العالم، أنه يمكنه مثلاً ان يدفع حوالة مصرفية او يقوم بإصدار مالي أو حتى بدفع فاتورة تدخل الى كومبيوتر المصرف ولا يمكن الإطلاع عليها في المراكز المالية المهتمة.

المضحك المبكي هو الحديث عن خوف البعض من ان يطّلع الخارج على “الأسرار العليا” لوضع المالية والمديونية في هذه الدولة المسخرة، في حين نتحدث عن ديون وإصدارات وأسهم مطروحة في السوقين المحلية والدولية، لكأن هذا البلد مجرد قجة لولد أو مجرد قبضة من الليرات تخبئها عجوز في صدرها.