//Put this in the section

”حزب الله” وملامح دولة مارقة… كلّ المتفرّعات تؤدّي إلى ”الصندوق”!

مجد بو مجاهد – النهار

مهما تعدّدت المفترقات والتعاريج المرسومة على خريطة أيّ خطّة انقاذيّة للأزمة الاقتصاديّة المفصليّة التي لم يسبق للبنان أن شهد مثيلاً لها في تاريخه المعاصر، إلّا أن الممرّات الآمنة من شأنها أن تؤدّي الى “طاحونة” واحدة: صندوق النقد الدوليّ. من باب علميّ بحت، كلّ الأبواب المفتوحة يقف أمامها “الصندوق”، ووصْدُها مؤدّاه التقوقع في المجهول. الملامح بدأت تُرسم مع تفاقم ظواهر البضائع المهرّبة والمقلّدة من بلاد ضائعة في هذا المجهول، وفي طليعتها ايران. ببساطة، رفضُ “حزب الله” الخطابيّ لـ”الصندوق”، تترتّب عليه تبعات خطيرة اذا ما صُرف الرفض حكوميّاً.




سيناريو عدم سداد سندات “الأوروبوندز” يستتبعه طريق طويل. المفاوضات بين الدولة اللبنانية والمؤسّسات المالية الدولية (صناديق الاستثمار) يمكن أن تنتج اقتراحات متشعّبة تحت عنوان إعادة هيكلة الدين. ايجابيّة المسار الافتراضيّ على طاولة المفاوضات المفترضة بحضور المستشارين الماليين والقانونيين خطوة أولى. أيّ مؤدّى ايجابيّ يمكن التوصّل اليه تحت عنوان القبول بمسار حلّ الحكومة اللبنانية وبرنامجها، يحتاج الى ضمانات تنفيذيّة. لا يهتمّ الدائن بحذافير البرنامج الاصلاحيّ وشعاراته، بل يرمي إلى تأكيد تأمين مداخيل الدولة المساهمة في ضمان السداد اللاحق. الشعارات والتعهّدات لا تكفي. البرامج الاصلاحيّة في كليّتها لا بدّ من أن تمرّ بـ”طاحونة” صندوق النقد. إنّه ضمانة الدائن للسداد، استناداً إلى مراجع مالية واقتصادية عتيقة. الطمأنينة المعنويّة لا تكفي. تقويم “الصندوق” الايجابيّ لأي برنامج لا بدّ من أن يرتبط بصلاحيّات تنفيذيّة من قبله، كضمانة فعليّة لتنفيذ الاصلاحات.

الدور الأهمّ لـ”الصندوق” والغائب عن ظنّ البعض، يكمن في أنّه الجهة التي ستمرّ عبرها أيّ أموال أو مساعدات مقدّمة إلى لبنان من الدول المانحة. وهذا ما يستوجب التساؤل: كيف تفي الدولة الديون لاحقاً من دون تأمين أموال تنفق على برامج عمل اصلاحيّة من شأنها تنشيط العجلة الاقتصاديّة؟

هذه المشهدية تستدعي وصفاً استعاريّاً يعتمده مواكبون: “حزب الله” يعيش على كوكب آخر! عدم السداد و”تبليط البحر” المترافق مع رفض “الصندوق” يُترجم فرض حظرٍ على لبنان وتحويله إلى ما يشبه دولة معزولة شبيهة بالنموذج الفنزويليّ، الدولة الغنية بالثروات النفطية والتي يحتكم بعض مواطنيها الى بيع أثاث المنزل لتأمين القوت. عدم الدفع وعدم التفاوض مسألة غير معقولة. لا بد من التفاوض، في رأي مراجع سياسية ومالية، وإلا الذهاب باتجاه دعاوى دولية تستمرّ عشرات السنين ومحاولة فرض عدم تعامل المصارف الأجنبية مع مثيلاتها اللبنانية. اذذاك تتحول البلاد إلى دولة مارقة تتعامل بالتهريب دونما مقومات وجود.

في الموازاة، من أهمّ التدابير التي يمكن “الصندوق” اتّخاذها هي الإقفال الفعليّ للمعابر غير الشرعية والرقابة على المرفأ والمطار. لا مصلحة لـ”حزب الله” في ذلك. والأهمّ أن تسليم الجراحة الانقاذية لـ”الصندوق” يُترجم عبر تكليف موظف أجنبيّ مهمّة صرف الأموال وتنفيذ الاصلاحات. بعبارة أخرى، إنها عمليّة وضع وصيّ على دولة مقصّرة لا ثقة فيها.

لا بدّ من التوقّف عند معطى علميّ مهمّ: الدولة تحتاج إلى صندوق النقد وليس العكس. من قال إنّ “الصندوق” يبالي بالتدخل من عدمه؟

أبعد من ذلك، في المعلومات أن وفد صندوق النقد الذي التقى الحكومة، احتكم الى فن الاستماع وعدم إسداء أي نصائح أو التدخل مع الحكومة اللبنانية بانتظار خطتها الاصلاحية. وتشير المعطيات إلى أن الوفد تلقّى هذا القرار من “الصندوق” قبل أن تطئ قدماه الأراضي اللبنانية، على قاعدة ان “الصندوق” لا يطلب شيئا لنفسه ويرسل موفدا إلى لبنان متوقفا عند تمنيات الحكومة اللبنانية. وهو بطبيعة الحال يصدر تقويمه استنادا الى خطة برنامج إصلاحي لا بد للحكومة من إعدادها، ويأتي التقويم إما إيجابيا وإما سلبيا بحسب فعالية البرنامج وجدواه. ويبادر “الصندوق” إلى إعداد برنامج إصلاحي على عاتقه اذا تلقّى طلبا صريحا بذلك من الحكومة اللبنانية.

ويفيد مرجع مالي تواصل مع أحد أعضاء وفد صندوق النقد بعد لقاءاته مع الحكومة “النهار”، بأن نتيجة التواصل رسمت ثلاثة استنتاجات: أولها أن الوفد لمس جدية وعدم استهتار لدى الوزراء في التعامل معه، وأبدوا رغبة في التواصل. وثانيها أن الحكومة غير قادرة على احتواء خطورة الوضع المتشابك وتبعاته، وغير قادرة أيضاً على استيعاب صعوبة علاج المشاكل المتعددة والكبيرة التي لا يمكن تخطيها عبر نواة حلول عادية. وتكمن المشكلة الحقيقية في أن لا صلاحيات استثنائية ممنوحة للحكومة التي ستعود وتتوقف عند المشورة السياسية.

الى أين تتّجه الحكومة؟ في معلومات مواكبين للخطّة أن الحكومة تتعامل بروحيّة ايجابيّة على قاعدة أنّها “قادرة” وتحتاج الى وقت لاستجماع الأفكار، في ظلّ محاربة على جبهات عدّة منها معالجة الوضع الاقتصادي والتحديات المصرفية والدين العام. الملامح التي تبلورت تكمن في السعي الى تبديل وجهة الاقتصاد من ريعيّ الى منتج، ولذلك عُمل على خفض الفوائد. وتشير آراء خبراء متقاطعين مع الحكومة الى أن “السداد غير ممكن في ظلّ عدم توافر أموال”. لا أجوبة عن قابلية التعامل مع “الصندوق” حتّى اللحظة، لكن آراء هؤلاء تدلّ على أنّ البلاد بحاجة الى 6 مليارات دولار آنيّة، فإذا وُجد من يمنحها من دون صندوق النقد فتلك مسألة جيّدة، لكن من أين يمكن توفير هذا المبلغ؟

الرهان على الهبات ليس في مكانه من دون موافقة صندوق النقد. هذا ما بات مسلّماً به عند جهات سياسية واقتصادية واسعة. وعليه، ماذا تنتج مكابرة “حزب الله” اذا ما استمرّت؟ يتردّد في صالونات سياسية أن تحويل لبنان الى نموذج ايراني ورطة كبيرة لا يقبل بها المسيحيون والسنّة والدروز، اضافة الى فئة شيعيّة معارضة. وهذا ما يدفع أبناء هذه الطوائف إلى المطالبة بالانفصال، ما يعني أن الذي لم يتبدّل في الحرب الاهلية يمكن ان يحصل عبر الاقتصاد… إنها الفدرلة!