//Put this in the section
نبيل بومنصف - النهار

إنها دولة ”المشالحة”! – نبيل بومنصف – النهار

بعد 11 يوما على انطلاق الانتفاضة الشعبية شهد لبنان مشاركة عشرات ألوف اللبنانيين في اكبر سلسلة بشرية من الشمال الى الجنوب يوم الاحد في 27 تشرين الاول 2019 كدلالة على التعبير الاقصى عن حاجة اللبنانيين الى شبك السواعد من اجل تحقيق التغيير الكبير في واقعهم ودولتهم.

لا نستعيد التذكير بهذه الواقعة الطرية التي لم يمر عليها وقت طويل الا لان مفارقة سلبية جديدة تطالع اللبنانيين وبدأت تفرض عليهم قواعد آسرة إضافية كأنه لا تكفيهم أقسى معاناة يرزح تحتها شعب في العالم. لا شك ان العالم كله يرتجف خيفة من زحف فيروس كورونا السريع الانتشار الى حدود ان الاجراءات المتشددة التي يثيرها ذعر كورونا قد أطلقت العنان لتقديرات الخبراء بان الحرب المضادة على الفيروس ستؤدي الى تقطيع أوصال العولمة في وجوه عدة اساسية منها التنقل والاقتصاد والتجارة وشلها شلا غير مسبوق. واذا كان لبنان ينخرط باوضاعه الخاصة الصعبة في هذه الازمة المعولمة فان ما يزيد معاناته انه يجد نفسه تباعا مرغما على خوض حروب دائرية وليس حربا واحدة في مواجهة ازماته الأصلية الناشبة بقوة منذ ما قبل الانتفاضة وبعدها بالاضافة الى مكافحة مضنية للتداعيات الوافدة مع إعصار كورونا. واذا كانت قواعد مواجهة الازمات تفرض تضافر الجهود وتنسيقها وتقويتها من خلال القرارات الجماعية المشتركة بين الدولة والقطاعات الحيوية الاساسية في البلاد فاننا نخشى والحال على ما هي عليه من ان تكون ادارة ازمة تلقي لبنان لتداعيات توافد المصابين بكورونا اشبه بـ”المشالحة” التي تنتفي معها المصافحة بالايدي ولا يبقى الا الإيماءة علامة تخاطب.




استحضرت في الآونة الاخيرة آلية المشالحة التي تعني الاكتفاء بوضع اليد على الصدر لتحية الآخر في مناسبات التعزية من دون مصافحة وكثر تداولها على سبيل التندر بالامتناع عن المصافحة والعناق والتقبيل كأفضل اجراء وقائي من انتقال فيروس كورونا. غير اننا لم نعد نفصل هذا “الطقس” الشكلي الفولكلوري الذي زج به الآن في اخطر ازمة صحية عن ايحاءات الزمن اللبناني المأزوم ورمزياته. فكأننا في لبنان الان ومع تشابك ازمات المال والاقتصاد والاجتماع والصحة، امام “ادارة مشالحة” بل “دولة مشالحة” تتوسل الإيماءات في كل من هذه الازمات بدلا من الغطس والانخراط السريع في اقامة خطط طوارئ متماسكة تنخرط فيها سائر القطاعات الرسمية والخاصة سواء لمواجهة اخطار الانهيار المالي المحدق بالبلد او خطر تحول لبنان بلدا موبوءا بالفيروس الوافد. لسنا نظلم الحكومة ان تساءلنا متى تولد تلك الخطة السحرية الموعودة لانقاذ البلاد من الانهيار المالي بعدما حققت الاجتماعات الماراتونية للمسؤولين والوزراء وفرق المستشارين أرقاما قياسية موصولة في البحث والتدقيق والتمحيص. ولا نهوى ظلم الحكومة ايضا ان تساءلنا عما يمكن ان يحل بالبلاد تحت خطر اتساع انتشار الفيروس اذا ظلت الاجراءات تتخذ بالتقسيط اليومي الارتجالي ولم تعلن خطة طوارئ ملحة تستنفر كل الخبرات والكفايات والقدرات وتسخر لمنع اتساع الازمة وتحولها الى سبب تفجيري اضافي على المستوى الصحي والاجتماعي والامني؟ ام تراها الدولة عندنا اساسا وبحكم تركيبتها تأبى الا المشالحة في مقاربات مصيرية وخطط ذات طابع مصيري؟