//Put this in the section

”الكابيتول كونترول” لن يحمي المودع بل يمس حقوقه؟

سابين عويس – النهار

في غمرة الانشغال الرسمي بمحاولات إحتواء تداعيات تفشي فيروس “كورونا”، يبقى الهاجس المالي ضاغطا على اللبنانيين، خصوصا ان أي اجراء جدي لم يتخذ بعد حيال التفلت والفوضى القائمين في السوق المصرفية.




وفي حين كُشف عن العمل الجاري بين وزارة المال والمصرف المركزي من اجل إصدار تعميم عن المركزي ينظم العمل المصرفي ويضع حدا لحالات الاستنسابية المعتمدة لجهة تقييد حركة التحويلات والسحوبات، علمت “النهار” ان هذا الموضوع لم يحسم الجدل حوله بعد، علما ان لا قرار سياسيا يغطي الاجراءات التنظيمية المقترحة التي تحتاج الى اطار قانوني وحتى دستوري. فبعد الصيغة التي اقترحها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وتلحظ تنظيم عمليات القيود او “الكابيتول كونترول” على السحوبات والتحويلات، والتي سُربت نسخة منها، رد وزير المال غازي وزني تلك الصيغة، بعدما عرضها على رئاسة الحكومة، طالبا اعادة صياغتها. وعلم انه تمت الاستعانة بمكاتب قانونية لهذه الغاية تقوم حاليا بوضع ملاحظاتها على المسودة، وفهم ان التعديلات المقترحة قد تؤدي الى صيغة جديدة مختلفة عن الصيغة المتداولة.

وفي رأي مصادر قانونية، ان الصيغة المقترحة ولا سيما منها في الشق المتعلق بالقيود على الودائع والتحويلات لا تشكل حماية مطلقا للمودعين، بل على العكس تمس بحقوقهم التي لحظها الدستور في مقدمته (الفقرة واو)، التي تؤكد النظام الاقتصادي الليبرالي الحر الذي يضمن حرية الملكية الخاصة وحرية انتقال الأموال. وتلفت المصادر الى ان التعميم لم يسقط الاستنسابية التي تفتح باب التأويل والتفسير ويعطي المصارف هامشا في التفسير لن يصب في مصلحة المودع، وما سيحصل في رأيها، لن يأتي بمزيد من التكافؤ والمساواة بين المودعين، بل سيترك المجال واسعا امام استمرار الاستنسابية، كما سيمنح المصارف صلاحيات كبيرة تترك حق المبادرة في يدها، بما يسهم في حماية مصالحها.

وتسجل المصادر ملاحظة ثانية لا تقل خطورة، وتتمثل بعدم قانونية التعميم وعدم دستوريته، خصوصا اذا تقرر صدوره بتعميم وليس بقانون كما هو ظاهر. اذ لا يبدو رئيس مجلس النواب متحمسا لاقرار قانون يجيز القيود على التحويلات خلافا للنظام الليبرالي الحر حتى وان كان مشروطا بظروف استثنائية. وترى المصادر ان التعميم سيكون قابلا للابطال امام مجلس شورى الدولة، وامام المجلس الدستوري حتى لو حظي بالغطاء التشريعي، لأنه سيؤتي عملا مخالفا للدستور ويحتاج الى تعديل دستوري وليس الى قانون!

ويوافق الخبير القانوني رئيس مؤسسة “جوستيسيا” الحقوقية بول مرقص هذا الرأي، مشيرا الى ان التعميم، وفي أي صيغة قانونية صدر فيها لن يكون محصنا من الطعن. ومن الأفضل ان يرتكز الى المواثيق الدولية التي إلتزمها لبنان، وأضيفت الى مقدمة الدستور عام ١٩٩٠، ولا سيما المعاهدة الدولية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وقد صدرت عام ١٩٦٦، وأصبحت نافذة عام ١٩٧٢، وابرمها لبنان، وتجيز تعليق الحقوق في صورة مؤقتة ولأسباب تمليها المصلحة العامة.

وكشف مرقص ان العمل جار حاليا على مضمون التعميم من اجل تصويب الصيغة التي كان تم اقتراحها قبل نحو أسبوعين، ويجري حاليا العمل على صيغة جديدة، وهناك تعاون بين وزارة المال والمصرف المركزي من اجل الوصول الى صيغة فضلى، والجهود تنصب على تصويب المصطلحات التي سيتم اعتمادها. ويأمل مرقص ان تنجح الجهود في التوصل الى صيغة تشمل اكبر عدد ممكن من القطاعات، ليس فقط الزراعية والصناعية في ما يتصل بالتحويلات التي ستقوم بها المؤسسات وانما الا يكون هناك إستنسابية في العبارات، بل تكون مقيدة للمصارف بحيث لا يترك لها مجال التوسع في التفسير. ويعطي مثلا على ذلك ان على من عليه ان يسدد حاجات مالية ملحة، توضع معايير لذلك بحيث لا تتحكم المصارف بهذا التعبير، فتوضع مثلا شروط وجود إقامة دائمة في البلد الذي يرغب التحويل اليه. وايضاً لا بد من التنبه الى مسألة استبدال كلمة قيود بكلمة ضوابط، بحيث تأتي النصوص متماشية مع مفاهيم حقوق الانسان ولتفادي ايضا الطعون، وكذلك لا بد من تنظيم مسألة وضعية الشيكات التي لا تدفع بالضرورة في لبنان. وهنا تستند المصارف الى نص القواعد الدولية 522 التي تجيز رد الشيكات اذا كانت غير راغبة دفعها محليا، ولكن هناك حاجة الى نص لبناني في هذا الشأن.

وعليه، من المستبعد انجاز هذا التعميم خلال الاسبوع الطالع، خصوصا ان إصداره بقانون سيحتاج الى إقراره اولا في مجلس الوزراء ومن ثم إحالته الى المجلس النيابي الذي لن يلتئم قبل منتصف الشهر المقبل في عقده العادي، ما يعني ان هناك أسبوعين من الانتظار، فإما تلجأ الحكومة الى إصداره بتعميم عن المصرف المركزي، وإما تنتظر المجلس. وفي الحالين، يستمر التفلت في السوق المصرفية متفاقما وسط الضغط على الدولار وعلى العملة اللبنانية التي فقدت حتى الآن اكثر من ٥٠ في المئة من قيمتها!