//Put this in the section //Vbout Automation

هل تثبيت سعر الصرف عند 2000 ليرة بهذه البساطة؟ – دان قزي – النهار

يركّز المدافعون عن تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار على الأثر الاجتماعي وازدياد الفقر في حال جرى تحرير السعر. مما لا شك فيه أن تثبيت سعر الصرف أتاح للموظف العادي في لبنان أن يتمتع بمستوى معيشي أعلى بكثير من المستوى لدى جميع الدول المجاورة (التي يُعترَف رسمياً بوجودها). فإذا كان تثبيت سعر الصرف عند 1500 ل.ل. أمراً جيداً، فلا بد من أن تثبيته عند 1000 ل.ل. أفضل. وما رأيكم بأن يكون سعر الصرف 750 ل.ل.؟ لماذا لا نضاعف القدرة الشرائية لدى جميع اللبنانيين بين ليلة وضحاها من خلال صدور تعميم عن مصرف لبنان؟ بهذه الطريقة، يصبح بإمكاننا جميعاً قيادة سيارات “بي إم دبليو” و”مرسيدس” بدلاً من “كيا”. ونتمكّن جميعاً من أخذ خمس عطلات في السنة بدلاً من عطلتَين. ويصبح باستطاعتنا الذهاب إلى بوندي بيتش في أستراليا بدلاً من بودروم في تركيا.

ما أريد قوله هو أن تثبيت السعر لا يمكن أن يتم مجاناً، ولا بد من أن يدفع أحدهم ثمن هذا الدعم لسعر الصرف. علينا أن نجد هذا الـ”دون كيشوت” كي نقدّم له واجب الشكر.




لنقل مثلاً إن مزارعاً في الدامور، أبو فراس، يبيع كيلوغرام الزيتون الواحد بـ5 دولارات، ويخسر المال لأنه يتكبّد تكاليف مرتفعة جداً. هل تستطيع الحكومة أن تصدر مرسوماً يفرض بيع الزيتون بـ100 دولار للكيلوغرام الواحد؟ بالطبع يمكنها ذلك، وسوف يشعر أبو فراس ببهجة عارمة، ولكن ذلك لا يعني أن المستهلك سيدفع له 100 دولار إلا في حالة واحدة… وهي أن تتولّى الحكومة دعم فارق السعر أي أن تسدّد فارق الـ95 دولاراً، فيما تبقى الكلفة على المستهلك 5 دولارات، أي سعر التوازن الذي يحدّده العرض والطلب.

فلنعد إلى الليرة. مَن يموّل دعم سعر صرف الليرة الذي حافظ على مستوى مرتفع بطريقة مصطنعة عند 1500 ل.ل. طوال 22 عاماً؟ لقد استخدم المصرف المركزي احتياطياته بالعملات الأجنبية لبيع الدولار إلى كل من يعطيه نقوداً بالليرة اللبنانية بسعر 1500 ل.ل.، ما سمح لك بأن تستمتع بعطلتك الرائعة في قبرص العام الماضي أو بشراء سيارة يابانية قبل ثلاث سنوات.

ومن أين حصل مصرف لبنان على الدولارات لتسليمها إليك من أجل إنفاقها على عطلتك في قبرص؟ حصل عليها من مصرفك. أجل، لقد حزرتم إلى أين سأصل. ومن أين حصل مصرفك على الدولارات لإعطائها إلى المصرف المركزي؟ حصل عليها منك، أنت المودع، شأنك في ذلك شأن فراس، نجل أبو فراس. فراس مغتربٌ لبناني يعمل جاهداً في صحارى المملكة العربية السعودية ويواظب منذ سنوات على إرسال مدخراته إلى أحد المصارف في لبنان، لأنه يعتقد أنها بأمان في أيدي عباقرة القطاع المصرفي لدينا، وتولّد له عائدات طائلة لا تضاهيها العائدات التي تقدّمها المصارف الفاشلة في أوروبا وأميركا، أو أي مكان آخر في العالم.

المشهد أشبه بجلوسك إلى مائدة واستمتاعك بوليمة فاخرة في السنوات القليلة الماضية، ظناً منك أنك تأكل شريحة ستيك من اللحم الفاخر الباهظ الثمن، ولكن ما حدث في الواقع هو أنك كنت تأكل من لحم عظامك. وفي توصيف أكثر دقة، كان المصرف المركزي يحصل على الدولارات من أصحاب الودائع أو المدخرات الأثرياء (نسبياً)، ويحوّلها إلى الموظفين من الطبقة الفقيرة أو المتوسطة.

يمكنكم، في ناحية معيّنة، أن تصفوا المصرف المركزي بـ”روبن هود”، وهذا الأمر هو، في الحالة الطبيعية، نقلٌ مشروع تماماً للثروات، إذا افترضنا أن جميع الفئات المعنية تتفهّمه وتقبل به، فضلاً عن السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في الحكومة.

لننتقل إلى المرحلة الراهنة والمذكرة التي أصدرها الصيارفة بأنهم لن يبيعوا الدولار بسعر أعلى من 2000 ليرة لبنانية. هذا أمرٌ عظيم… للصيارفة أنفسهم. وكأنني أقول إنني لن أشتري سيارة “بي إم دبليو” بأكثر من 10000 دولار. يا لها من صفقة رائعة، شرط أن يوافق بائع الـ”بي إم دبليو”. السؤال المطروح هو ما السعر الذي سيطلبه البائع؟ فإذا كان الصراّف يشتري الدولار بـ1950 ل.ل. ويبيعه بـ2000 ل.ل.، فهذا يعني أنه جرى تثبيت سعر الصرف عند 2000 ليرة في السوق الموازية. ولكن من أجل القيام بذلك، لا يكفي إصدار مذكرة. بل يجب توافُر عرض كافٍ من الدولار من أجل تحقيق سعر التوازن. وبما أن سعر الصرف أغلق أمس [نُشِر المقال بالإنكليزية في 22 كانون الثاني] عند 2200 ل.ل. السبيل الوحيد لخفض السعر إلى 2000 ل.ل. هو ضخ كمية من الدولارات في السوق، لا الاكتفاء بإصدار مذكرة سخيفة. ومصرف لبنان هو الكيان الوحيد في البلاد الذي لا يزال يملك كمية كافية من الدولارات للقيام بهذه الخطوة. ولكن من الصعب أن نصدّق أنه قد يُقدم على تزويد الصرافين بالدولارات. فلو أراد المصرف المركزي أن يضخ الدولارات، لفعل ذلك من خلال إعطائها إلى المصارف، لأن السبب الوحيد وراء ارتفاع حصّة الصرافين في سوق الصرف من 2% إلى أكثر من 50% في الوقت الحالي هو تعاملهم مع الأعداد الكبيرة من الأشخاص الذين يقصدونهم بدلاً من المصارف التي تخلّت ببساطة عن وظيفتها.

إذاً ما هي آفاق المرحلة المقبلة؟

سوف يتوسع هامش الفارق بين سعر شراء الدولار وسعر المبيع ليتخطى الـ20 ليرة لبنانية ويصبح عند حدود 100-200 ليرة. وهكذا بدلاً من أن يكون سعر الشراء 2200 والمبيع 2220، سيصبح 2000-2100 لدى الصرّافين المرخّصين، و1950-2150 لدى الصرّافين غير المرخّصين.

إذا لم يكن سعر التوازن الطبيعي 2000 ليرة، ففي هذه الحالة، وبعد أن يقوم بعض المتعاملين السذّج (مثل شخص لديه شهادة دكتوراه في مجال ضيق وتخصصي جداً في الطب، فيخال نفسه ذكياً خارج حقل اختصاصه وخبرته)، ببيع دولاراتهم بـ2000 ليرة، سوف يتوقف الصرّافون المرخّصون عن بيع الدولارات، ما يعني أنه لن تعود لديهم دولارات لبيعها عند الساعة العاشرة صباحاً. وهكذا سوف تظهر سوق سوداء في مقابل السوق الموازية. إنهم الصرّافون غير المرخصين مثل أبو**** الصراف في شارع الحمراء الذي يبيع نقوداً يحملها في أكياس بلاستيكية على بعد شارع واحد من مصرف لبنان. وسوف تباع هذه النقود بسعر صرف أعلى بكثير من سعر الإغلاق في اليوم السابق، وقد يصل ربما إلى 2500-3000 ليرة لبنانية.

ويمكنك حتى أن تتناول فنجان قهوة في أحد المقاهي الأميركية فيما تنجز معاملتك مع الصرّاف.