//Put this in the section
سمير عطا الله

الجراد يلطم ويتراجع – سمير عطاالله – النهار

من أين نبدأ؟ سُمّيت الكرنتينا، لأنّها كانت جوار المرفأ. ويومها لم يكن الطيران قد بدأ، وكان المسافرون يغادرون ويعودون بحراً. وخوفاً من أن يحمل أحدهم عدوى لا علاقة للناس بها، كان يُحجر على المشتبَه فيهم أربعين يوماً وليلة، عدّة الحزن أو الفرح على السواء، فقد نظّم الإنسان حياته في أرقام، منها ما هو للتفاؤل ومنها ما هو للعياذ بالله، ومنها ما هو للأخلاق المصرفية: 200 دولار في الأسبوع. آخره.

الصين بلاد أباطرة وخاقانات. لا يليق بها محجر صحّي، ولذا بنت سوراً عظيماً طوله من بيروت إلى صيدا. ساحة الزحمة. وبناءً على تعليمات الإمبراطور وهواجسه، حسب المهندسون الحساب لكلّ الأخطار: الأفيال. الخيول. الرماح. كلّ شيء. إلّا الكورونا.




فالإمبراطور، وفق قانون الطبيعة، لا يخاف إلّا جسائم الأمور. لا يدرك إلّا متأخّراً غلطته الكبرى، وهي أنّ الطبيعة شيء خارج على القانون. أمّا ما يُعرَّف به على أنّه قانون، كالجاذبية مثلاً، فمجرّد تسمية وبطاقة تعريف. مثل قانون النقد والتسليف. كاوبوي يا بلدنا. وعندما سئل الوزير جبران باسيل من أوسع محطة على وجه الأرض، لماذا لا ندير أمورنا مثل أميركا وبريطانيا، أطلق تلك النصيحة المتواضعة كالمعتاد: فليتعلّموا منّا.

على الفور، أرسلت بلاد “فورت نوكس” و”بنك أوف إنغلاند” وفوداً للتدرّب عند صرّافي الحمرا، دون التوقّف للتظاهر أمام البنك المركزي. هناك قانون ثابت: شرّ البلايا ما يُضحك، لأنّ فظاعة السخرية تطغى على فظاعة المأساة، وأحياناً تطغى بصورة غير معقولة. أوّل تقدّم عملي حقّقه الوزراء الجدد، التواضع. يقف واحدهم أمام كلّ كاميرات البلد ويقول إنّه يعمل بعيداً من الإعلام. مسكين، الإعلام. عندما لا يجد عملاً عظيماً يغطّيه، فماذا يقول لمشاهديه في المساء؟ تصبحون على خير؟ أما قاموا وناموا مئات المرّات، ولم يصبحوا إلّا على البنك الدولي؟ لعلّ تظاهرة “التيّار” أمام المصرف المركزي تحلّ المشكلة التي يُقال لنا – بالطريقة التي تُقال فيها جميع الأشياء – إنّ عمرها ثلاثون عاماً. أي أنّ السلطة الحاليّة ليست مَن جعل 40% من الناس تحت خطّ الفقر. وليست مسؤولة عن إغراق لبنان بالزبالة. ولا يد لها في المشروع الفاجر بتصليع لبنان وإبادة خضرته التاريخية وحرمانه الأوكسيجين من أجل سدود تبحر فيها “فاطمة غول” وبناتها، على طريقة “فضيلة خانم وبناتها”.

أقسم على عائلتي، بأنّني قبل أن أشرع في الكتابة كلّ أسبوع، أبحث لأيام عن أيّ شيء إيجابي. أيّ شيء. فلا أريد أن تملّ الناس رتابة الشكوى، ولا أن نزيد عليهم ممّا هم فيه. ولي صداقات كثيرة، لكنّ ولائي واحد، ضميري، وبالتالي وطني. لا حيرة لي والحمد لله. لا هنا ولا هناك. مجرّد رؤية قد تصحّ أو تخطئ، لكن لا ظلم ولا افتراء. وخصوصاً لا ابتذال. هذه مدرسة قديمة لم تعد دارجة في هذا العالم.

الأسبوع الماضي، نعى إيمانويل ماكرون آخر اسم في عمالقة فرنسا: جان دانيال. جيل فرنسوا مورياك وريمون آرون وألبير كامو وسارتر وجان لاكوتور وميشال فوكو. بماذا وصفه الرئيس المنحني أمام غيابه؟ بأهمّ ضمائر فرنسا.

ذلك كان في كلّ العالم، جيل الرجال الأكبر من ذواتهم، بكلّ موروثاتها: اليهودي الجزائري جان دانيال بن سعيد، يبدأ حياته مناضلاً ضدّ الاستعمار الفرنسي. ثم ضدّ كلّ استعمار. ويبقى مفكّراً يهودياً، لكنّه يبقى أيضاً مناضلاً من أجل حقوق الفلسطينيين والعرب وسائر المظلومين. لذلك، كان مثال اليسار النبيل، فيما كانت النخب الفرنسية تتصارع بين الشيوعية الستالينية واليمين الفاشي العاقر، والمائل دوماً إلى العنف.

تلك مرحلة عاشها فريق كبير من اللبنانيين بسبب أثر التعليم ، الذي جعلته فرنسا عنصراً أوّل من عناصر استعمارها. أو انتدابها. وأنشأت لنا أوّل الجامعات والمدارس والمستشفيات والطرق، بعد قرون من الجلمد العثماني. وكلّفت أنبل الناس تأسيس أنبل الجيوش.

كثيرون انخرطوا في حياة فرنسا، كما انخرطت في حياتنا. ولمع وتألّق لامعون أمثال جورج شحاده وأندريه شديد وأمين معلوف، الذي صارت له “كرسي على السين”، أو غسان سلامة الذي مُنح رئاسة معهد العلوم السياسية، وكاد يكون مدير الأونيسكو، لو رشّحته دولتنا. لكنّه ارتكب الخطأ غير القابل للغفران. لم يقدّم الالتماس لدى السلطان والسلطان يكرّر للسذّج من رعاياه قول إمبراطور النمسا فرانز جوزف:

Ich hab Nicht Gewolt. أي “لم أكن أرغب في ذلك”. لكن بين رغبة الإمبراطور وندمه، اشتعلت حرب عالمية كبرى. أو عظمى.

أُعطي الإنسان الفكر لكي يفكّر أوّلاً، لا لكي يندم ثانياً. ولا لكي يتسبّب في إبادات بشرية، كما فتك الفاشيون بهذا العالم، لأنّ لا وجود للآخر في دوغمائيّتهم. والدوغما تولّد الغوغائية. والغوغائية تضع العقل في طليعة أعدائها، لأنّ العقل يعقل وينهي.

أدّى السلطان قابوس لبلده، ما لم يؤدّه حاكم. ولكن بعد وفاته، أمر السلطان الجديد بإلغاء النشيد الوطني، لأنّه كان يمجّد السلطان وليس البلد. كانت تلك وصمة في تاريخ رجل رأى أنّ الإنسان هو النتيجة وليس الألفاظ ولا صانعوها ولا تفاهتهم.

السلطان أعلى من الناس؟ ربما. فقط ربما، بعد كلّ تلك الإنجازات الأسطورية التي حقّقها. أمّا أنّه أعلى من جبال مسقط وصخور عُمان، فلا يحقّ له في مفهوم الأوطان والأمم، أكثر من أن يرمي بنفسه من فوقها.

يجب أن يحذر السلاطين، وعّاظهم أوّلاً، كما قال العالم العراقي علي الوردي. فمنهم مَن قد يكون عقيماً. ومنهم مَن قد يكون سقيماً، وجميعهم مرتزقون بحكم طبيعة الأشياء والبشر، ولذلك يبقى للسلطان وحده القرار والمسؤولية والترفّع عن الأنانيات المفضية إلى المحسوبية والاحتراب ووقائع الهلاك الذي نغرق فيه.

التراشق بالمسؤوليات ليس كلام رجال دولة بل ردح شرفات وبلاكين وزواريب. والمُفترض في رجل الدولة أن يقدّم للناس ما أنجز، وليس ما ارتكبت خالته. والقباحة لا تبرّر قباحة أخرى. والغالبية ليست غالبية الصوت بل غالبية الرؤية والمنطق وسعة الصدر التي جعلها الإمام علي، آلة الرياسة وأصل الحكم.

يجب ألّا ننسى ماذا فعلت بنا الغالبيات في رحلة السقوط، منذ أن رفض شجاع واحد، هو ريمون إدّه، توقيع معاهدة السلب المعروفة باتفاق القاهرة. كلّ اتفاق وتوقيع، أسقط من لبنان شيئاً من حقّه في الوجود. المسار الانحداري لا نهاية أخرى له. كان الدكتور فيليب سالم يفاخر دوماً بأنّ اللبناني هو المواطن الوحيد في العالم، الذي رفض صفة اللاجئ. هذه، أيضاً، خِلصت. لقد أصبح لاجئاً في بيته. ولم يعد لنا من أمل سوى سليم صفير ومستشاره. وما سمعنا مرّة في جولاتهما على مراكز القرار، إلّا أنّ “التعليمات أعطيت باتّخاذ الإجراءات اللازمة”. وهي التعليمات نفسها التي أعطيت لمحاربة الكورونا. ولكن رِجاءً رِجاءً، بعيداً من الإعلام.

نحن، أي هذه الجمهورية والشعب العظيم، الدولة الوحيدة في العالم التي يُعتبر فيها ذهاب الوزير إلى مكتبه حدثاً. والبلد الوحيد على الكوكب، الذي تظهر فيه وزارات ثم تختفي من غير أن يعرف أحد كيف. كان الأتراك وأيضاً الفرنسيون، يبيعون المراتب الشرفية، من دون حاجة إلى كلّ هذه الشعوذة والـ”كوبانيات”. بلزاك كان أعظم روائيي فرنسا، ومع ذلك رأى أنّ العزّ لا يكتمل إلّا بلصقة تفخيمية فاشترى واحدة: “دو”! مَن كان يتذكّر أنّ لامارتين كان له “دو” أيضاً. ولا فونتين. وأمين نخلة، كان له “بك” مشابهة، ورثها عن مؤلّف النشيد الوطني. هل سمعتم بما حلّ به، النشيد الوطني، المعروف سابقاً بـ”كلّنا للوطن”؟ كان يخفّف عن اللبنانيين في مصائبهم، الوجوه الباسمة وفطنة الظرف وسرعة البديهة. وكانوا لاذعين بنباهة وموهبة وأدب. إلى جانب سلسلة الفضائل شبه السماوية، كان فؤاد شهاب أنيس المفاكهة. وكان ريمون إدّه يحوّل كلّ خصومة إلى صخب ضاحك. وكان الحاج حسين العويني يخفّف من ثقل الخطب بلماحة الخطاب. الدولة لا تعبس إلّا في وجوهنا. هذه المرّة عن حقّ. فقد لا يكون فرح بعد اليوم. الفرح عطاء ربّاني يدخل من الأبواب المشرّعة ولا يتسلّل مثل خفّاش. والآن، بدأت الخفافيش عبور أسوار العالم. حاملة ما طُبعت على حمله.

يبقى أن نطمئن الخائفين من علامات الساعة، ولو في ناحية واحدة: لا جراد. لقد تبلّغت جحافله أنّه لم يبقَ لها حتى ما يكفي لبلّة ريق.