//Put this in the section

حكاية تفليسة! – الياس الديري – النهار

في هذه الأيّام السود لا تجوز الكتابة إلّا عن المال المنهوب بالمليارات والملايين. فجأة انكشف لنا، للداخل وللخارج، كيف طارت الأموال بالمليارات. ناس يقولون إن الكهرباء مغرومة بالمليارات. وآخرون يعتقدون أن “لدى” التسيّب والفلتان والفساد الخبر اليقين.

أمّا السكوت المريع من جهة الدولة وعموم المسؤولين، فقد يكون لأسباب “معقّدة” في صدد “هديَّة الإفلاس” التي فوجئ بها جميع اللبنانيّين. وخصوصاً بعد فيلم المصارف مع أصحاب الودائع وطريقة سحبهم أموالهم بأسلوب.




ماذا حلَّ بهذا اللبنان؟ مسكين لبنان الأخضر اليابس!

كيف تسلّلت هذه الأموال الطائلة، من غير أن “يدري” بها مسؤول، أو مرجع، أو حاكم، أو عابر طريق. فجأة، وعلى حين غرّة، انتشرت الحكاية بأسلوب الإشاعة. وكان الأسلوب فعَّالاً. تحضَّر الناس عندئذ لخبر مدوٍّ. فانفجرت قنبلة التفليسة. أُسقط في أيدي الجميع. لقد أفلس لبنان. ساد الذعر الأوساط بمختلف فئاتها. وبدأت حسابات النتائج ترتجف بين الأيدي وعلى الألسنة.

حادث عجيب غريب، لم يعرف مثله لبنان حتّى أيّام حروب بوسطة عين الرمّانة، ولا الحروب السابقة. الناس ما زالوا مذهولين، ولكن لا تهمة لأي شخص. ولو من باب الظنّ. ولو على سبيل الإيحاء بأنَّ المال هو المفقود وهو المسؤول أيضاً، وهو بالذات مَنْ يجب أن يُحاسب ويُحاكم.

وهذه التخريجة هي أفضل نتيجة وأفضل نهاية يمكن الحصول عليهما. ضاعت وما لقيناها. ثروة بلد بكامل ملياراتها وملايينها اختفت فجأة، ومن دون معرفة أي مسؤول كيف حصل ذلك كلّه، ومتى، وكم، ومَنْ المستفيد الأوّل، ومَنْ التالي، وأي شيء من هذا كلّه لن يرد ذكره. لا اليوم ولا غداً.

المليارات والملايين خرجت ولن تعود. والدول الشقيقة والصديقة لا تزال حائرة في أمر كل ما حصل في لبنان فجأة، ومن دون سابق إنذار أو سابق مؤشّر. فحلَّ الإفلاس على لبنان، إضافة إلى ما يحلُّ عليه من تفكّك في الدولة والسلطة والمؤسَّسات، وسوى ذلك الكثير من مصائب الهجرة الجماعيَّة المتواصلة منذ أعوام، والتي ضوعفت بعد فضيحة “الفساد” الذي أكَلَ كل المصريّات بكل الأرقام، وبالدولارات حتماً.

طيّب، طارت المليارات والملايين، فليتكرَّم مسؤول ما ويصارح الشعب المعثَّر بواقع الحال. ليتعرف الأشقّاء والأصدقاء كيف حصل ما حصل: “شي وصار، واعطونا شويّة مصاري من أوّل وجديد، لنصرفهم حيث تنتظر الألوف”. انفضح البلد الصغير الفالت. وسينفضح أكثر.

يتبدَّى لي، وأنا أُسجِّل هنا هذه الأفكار والأسئلة التي كانت مساء أمس موضع تساؤل وغرابة بالنسبة إلى كل ما حدث، وما يجب أن يحدث ردّاً عليه، من غير أن يحرِّك مسؤول ساكناً. الناس لا يهمّهم كلام التطمين الهوائي. يريدون أن يعرفوا حقيقة ما حصل، وكيف حصل، ومن هم الذين ارتكبوا هذه الجريمة المريعة، والتي أفلست لبنان إلى أبد الآبدين، وإلى أين المصير، مصير البلد، ومصير الناس؟

أجل، الحق مع الثائرين، والغاضبين، والمصرّين على الدفاع عن حقوق الشعب اللبناني، ومال الدولة اللبنانيّة، والإصرار على جلب الفاعلين كائناً مَنْ كانوا، وتسليمهم إلى القضاء مع الأموال المنهوبة.

مرّة أخرى: من هنا تبدأ رحلة استعادة لبنان المفلّس المكشوف.