فرنسا تتحرك لإنقاذ لبنان من الانهيار

يقود وزير المالية الفرنسي برونو لومير جهودا حثيثة لإقناع المجتمع الدولي بضرورة مد يد العون للبنان الذي يمر بأزمة مالية غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الأهلية، تهدد بإفلاسه.

وقال وزير المالية الفرنسي الاثنين إن بلاده تدرس خيارات مختلفة لمساعدة لبنان على التعافي من أزمته، ومن بينها برنامج لصندوق النقد الدولي، إذا سعت الحكومة اللبنانية إلى ذلك. وأوضح للصحافيين من أبوظبي أنه بحث الوضع في لبنان مع القيادة الإماراتية.




وكان الوزير الفرنسي صرح الأحد أن فرنسا مستعدة لدعم لبنان ماليا، في إطار ثنائي أو متعدد الأطراف، محذرا من خلط التعافي الاقتصادي في لبنان مع الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لمواجهة إيران في المنطقة.

وكشفت مصادر دبلوماسية فرنسية أن الموقف الذي أعلن عنه لومير، الأحد، لجهة جهوزية فرنسا لمساعدة لبنان، وزيارته للإمارات في سياق مساع لبناء جبهة دولية إقليمية داعمة لهذا البلد يستند إلى مقاربة شاملة للسياسة الخارجية الفرنسية حيال الشرق الأوسط، والتي تختلف عن سياسات واشنطن كما دول أوروبية أخرى.

ويعكس التحرك الفرنسي مزاجا منفتحا على بيروت وعلى حكومته الجديدة، وتحدثت المصادر عن أن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان سيستقبل نظيره اللبناني ناصيف نهاية الشهر الحالي في باريس، ربما في 28 فبراير، في خطوة لافتة، لاسيما وأن لودريان لم يسبق له أن قابل وزير الخارجية السابق جبران باسيل في الخارجية الفرنسية.

وقالت المصادر إن باريس لا تخطط لمعاندة السياسة الأميركية المعتمدة حيال لبنان، وأن موقفها لا ينهل حيثياته مما يخرج عن واشنطن، بل يستند على استمرارية تاريخية لسياستها مع لبنان.

وأوضح لومير عقب اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين أن “فرنسا مستعدة دائما لمساعدة لبنان. لقد كان الحال دائما في الماضي وسيكون هذا هو الحال في المستقبل”. وأضاف “إذا طلب لبنان أي مساعدة فستكون فرنسا موجودة”.

ويعد لبنان بوابة فرنسا إلى الشرق الأوسط. وعلى ضوء انحسار نفوذها في المنطقة مقابل المنافسة الأميركية الروسية، لا تريد باريس أن تفقد ما تبقى  بخسارة وجودها التاريخي في لبنان، وهي ترفض التأثر بالضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على لبنان لأسباب مرتبطة بالصراع بين واشنطن وطهران.

وقال وزير المالية الفرنسي إن ثمة حاجة ماسة لأن تتخذ الحكومة اللبنانية قرارات لتحسين الوضع على الأرض.

وأردف “نريد التحرك في المنتديات الرسمية ونعتقد أن صندوق النقد الدولي قد يكون له دور يلعبه في مرحلة ما ولكن الأمر متروك للحكومة اللبنانية، لكن إذا كانت هناك أي حاجة للمساعدة، في إطار ثنائي أو متعدد الأطراف، فإننا على استعداد لتقديم العون”.

ولفتت المصادر إلى أن موقف وزير المالية الفرنسي وتحركاته متسقة تماما مع مواقف سابقة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وعد فيها بدعم لبنان، وأن ماكرون لم يتردد في الاتصال بنظيره اللبناني ميشال عون بعد تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة حسان دياب وإطلاق موقف داعم للبنان على الرغم مما أشيع عن تبعية هذه الحكومة لحزب الله.

وكانت أجواء واشنطن أوحت أن الولايات المتحدة تعمل على زيادة ضغوطها على لبنان بسبب ما يملكه حزب الله ومن ورائه إيران من نفوذ على قرار بيروت. غير أن لومير قال “نعرف أن ثمة روابط بين المسألتين، لكننا لا نريد خلط قضية التعافي الاقتصادي في لبنان، وهو اليوم في حالة طوارئ واضحة، ومسألة إيران”.

ويرى باحثون في شؤون السياسة الشرق أوسطية لفرنسا أن باريس مازالت متمسكة باختلاف مقاربتها في التعامل مع حزب الله عن الولايات المتحدة وحتى عن بريطانيا. وأوضحوا أن باريس مازالت على تواصل مع حزب الله ولم تدرجه، كما فعلت واشنطن ولندن، على لوائح الإرهاب بجناحيه السياسي والعسكري، كما أنها تحتفظ بالتواصل مع إيران على الرغم من أن ماكرون ووزير خارجيته لودريان كانا أطلقا مواقف متشددة من طهران.

وبالإضافة إلى علاقاتها مع إيران، تمتلك باريس علاقات ممتازة مع السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى بما يمكنها من الإطلالة على الوضع في لبنان من نوافذ خليجية. كما أن لفرنسا مصالح تتعلق بقطاع النفط الواعد في لبنان وأن شركة توتال الفرنسية هي جزء من الكونسرتيوم الذي يعمل على مشاريع التنقيب على الغاز في مياه لبنان.

وكانت باريس قد واكبت التطورات اللبنانية إثر اندلاع الاحتجاجات في 17 أكتوبر الماضي وأوفدت مدير إدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كريستوف فارنو إلى العاصمة اللبنانية للاطلاع من المسؤولين اللبنانيين على حيثيات الأزمتين السياسية والمالية

 

وبحث فارنو بعد عودته إلى باريس الوضع اللبناني مع مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر والمبعوثة البريطانية ستيفاني كاك. كما استضافت باريس في 11 ديسمبر مؤتمرا لمجموعة دعم لبنان برئاسة الأمين العام لوزارة الخارجية الفرنسية فرانسوا دولاتر ومنسق الأمم المتحدة في لبنان يان كوبيش.

وكان وزير الخارجية الفرنسي لودريان صرح إثر هذا الاجتماع أن باريس طلبت من السلطات اللبنانية اتخاذ الإجراءات الضرورية المتناسبة مع خطورة الوضع. وأضاف أن “الكرة الآن في ملعب اللبنانيين. قمنا بصياغة طلبات بشأن الإصلاح ومكافحة الفساد لتكون المساعدات الدولية في الموعد”.

وتلفت مصادر دبلوماسية في بيروت إلى أن فرنسا تعمل على تنشيط تيار يهدف إلى تحريك المجتمع الدولي حيال لبنان وإخراجه من حالة الجمود التي يعاني منها. وتتوقع المصادر أن تتحرك باريس باتجاه واشنطن لرفع حالة الغموض في الموقف الأميركي بشأن العلاقة مع بيروت.

وتؤكد المصادر أن باريس تمتلك رشاقة التواصل مع واشنطن وطهران والرياض وبيروت، وأن وساطتها مرحب بها ومقبولة وقد تنجح في قلب المزاج الدولي، خصوصا وأن الزيارة التي قام بها وفد صندوق النقد الدولي إلى بيروت باتت توفر للعواصم المعنية معطيات وافية حول طبيعة المشكلات المالية كما طبيعة ما هو مطلوب لإنقاذ لبنان من أزمته الراهنة.