//Put this in the section

حزب الله” المحرَج في زمن ”كورونا”: الآتي أعظم؟

أحمد عياش – النهار

لم يكن ينقص “حزب الله” سوى فيروس “كورونا” يأتي الى لبنان من إيران. هل من إحراج أكثر من هذا الإحراج، أن يكون البلد الأكثر “طهارة” في عُرف “الحزب”، هو مصدر هذا المرض الذي يشغل العالم اليوم؟ ما حصل قد حصل، لكن “الحزب”، ومعه الحكومة التابعة له، تصرّفا وفق نظرية “المؤامرة” كملاذ للخروج من الإحراج، فبادرا الى التصويب على ردود الفعل الداخلية على الميوعة في الموقف الرسمي التي رافقت المرحلة الاولى من وصول الاصابة الاولى من مدينة قم الايرانية الى بيروت، بدلا من اتخاذ التدابير الحازمة فورا. فهل هناك مزيد من الفشل في الاداء الرسمي برعاية “الحزب” يتهدد هذا البلد؟




في معلومات من مصادر شيعية معارضة لـ “الحزب” لـ”النهار” ان التوتر الذي ساد مراجع الأخير في التعامل مع هذه القضية سببها المباشر حالة الهلع التي عمّت مناطق الزوار الشيعة الذين عادوا في نهاية الاسبوع الماضي الى لبنان، وبخاصة الضاحية الجنوبية لبيروت وعدد من مدن وقرى الجنوب والبقاع الشمالي. ففي هذه المناطق عمَّ القلق من الانباء التي تواترت عن مصابين بين هؤلاء العائدين الذين جرى السماح لهم بدخول الاراضي اللبنانية عبر مطار العاصمة في صورة اتسمت بالخفّة التي لم يعرفها أي بلد في العالم يواجه حاليا حالات الفيروس. وهذه الخفة، تضيف المصادر، عززت مخاوف سكان هذه المناطق التي باتت في مرمى العدوى من انتشار محتمل للفيروس، ولا تفيدهم على الاطلاق تبريرات وزير الصحة التابع لـ”الحزب”، أو استنفار وزيرة الاعلام. ومن نماذج الهلع الذي اجتاح مناطق، ما جرى لسيدة مسنّة كانت في عِداد الزوار وعادت الى مسكنها في مدينة بنت جبيل الحدودية، فلاقت اعتراضاً من عدد من السكان المجاورين لها تخوفاً من أن تكون مصابة، وهي لم تكن كذلك.

“حزب الله” على المستوى الاعلامي بدا مربكاً في التعامل مع قضية تتفاعل في بيئته مباشرة. ففي المقدمة الاخبارية للنشرة المسائية الرئيسية لقناة “المنار” السبت الماضي جاء: “ليس اصعبَ من خبرِ وصولِ كورونا الى لبنانَ سوى وصولِ بعضِ التعاطي الاِعلامي والسياسي والاجتماعي الى مستوى معيبٍ لا يمتُّ الى المسؤوليةِ الوطنيةِ بِصِلَة… وليس اصعبَ من كورونا سوى داءِ الجشعِ المتحكمِ بعقولِ الكثيرينَ وقلوبهم وسلوكهم ممن يستغلون كل شيء… والآتي أعظم”.

وفي اليوم التالي، أي الأحد، قالت القناة نفسها: “بدأت وزارة الصحة إخبار المواطنين بكل جديد بنشرة يومية، نَظماً لسيلِ المعلومات، ودحضاً لأخبارِ التضليلِ والتشويه التي امتطت سمعةَ موقعِ قناةِ المنار ومصداقيته المعروفة في محاولة فاشلة لزرع أخبار مشوهة وإحداث بلبلة في عدد من البلدات”.

لا جدال في أن ما يواجهه لبنان من أخطار تتعلق بفيروس “كورونا”، يتخطى “حزب الله”. فالاستنفار الذي أبدته منظمة الصحة العالمية عبر ممثليها في هذا البلد، جاء من باب الاحتياط من انزلاق لبنان الى وضع يصعب معه احتواء الاضرار. في المقابل، حذرت اوساط سياسية مما وصفته بـ”التباطؤ المريب” الذي يعتري الحكومة في اتخاذ موقف صارم في التعامل مع مصدر الاصابات، أي إيران. ودعت هذه الاوساط الحكومة الى ان تحذو حذو العراق الذي بادر إلى إغلاق حدوده البرية مع إيران، كما أعلنت الخطوط الجوية العراقية وقف رحلاتها من إيران وإليها، خوفاً من انتشار الفيروس. ومثل العراق، قامت الدول المحيطة بإيران، وتحديدا تركيا وباكستان وأفغانستان، بإجراءات مماثلة. وتبيّن ان الاصابات التي وصلت بالامس الى الكويت والبحرين وافدة عبر زوّار الجمهورية الاسلامية. فهل تجرؤ الحكومة على اتخاذ الاجراءات الواجبة فورا وبلا إبطاء بعيدا من “حساسية” وزراء “حزب الله” على هذا الصعيد؟

بعيدا من نظرية المؤامرة، لا بد من التوقف عند الخسائر المعنوية التي أوقعها الفيروس في “الحزب” في صورة مفاجئة. ولتقدير حجم هذه الخسائر، يجب مقاربة الموضوع من زاوية نقيضة لما يحصل اليوم: ماذا كان فعل “حزب الله” لو ان مصدر الاصابات بالفيروس وفدت الى لبنان من الديار المقدسة في المملكة العربية السعودية التي تشهد على مدار السنة تدفق ملايين الحجاج من مختلف أنحاء العالم؟ الجواب سيكون ضجة لا مثيل لها يحدثها “الحزب” ورعاته في طهران، الذين سيربطون القضية الصحية فورا بالصراع الايديولوجي بين طهران والرياض. لكن ما حصل كان غير ذلك على الاطلاق. ولم يتردد المرشد علي خامنئي في ربط الاخفاق الاول من نوعه منذ تأسيس الجمهورية الاسلامية عام 1979 في إقبال الايرانيين على الاقتراع في انتخابات مجلس الشورى الجمعة الماضي بنسبة بلغت نحو 42 في المئة، بما ذكره عبر حسابه الرسمي على “تويتر”: “مارست الوسائل الإعلامية الأجنبية ضخَّها الإعلامي السلبي منذ أشهر عدة وكثّفته مع اقتراب موعد الانتخابات، ولم يتوانوا خلال اليومين الأخيرين عن استغلال أدنى فرصة وتحجّجوا بمرض وفيروس من أجل ثني الناس عن المشاركة في الانتخابات”!

عنوان هذا المقال إستوحى عنوان “الحب في زمن الكوليرا” لرواية الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز الحائز جائزة نوبل. ويقول أحد أبطال الرواية: “كان الدكتور خوفينال أوربينو وعائلته حتى ذلك الحين يتصورون الموت محنة تصيب الآخرين … لكنها لن تقرب ذويهم”. أما في واقع “حزب الله” الذي يقرأ لبنان روايته يوميا، فعليه الاعتراف، كما قال أحد أبطال ماركيز “أن محنة الموت تصيب ذويه” الذين هم في حالة الحزب مشروعه الوافد من إيران منذ عقود.

تقول إحدى وسائل إعلام الحزب “إن الآتي أعظم”. فهل يقتصر الامر على فيروس “كورونا”، أم يتعداه الى سائر البلايا التي أصابت لبنان منذ أشهر قليلة؟ على “الحزب” توضيح ما ذهب اليه، وفي الوقت نفسه، عليه التخلي عن نظرية المؤامرة التي لن تعينه، كما لن تعين حكومته التي تبدو حتى الآن تتصرف كأنها خيال الظلّ له!