//Put this in the section

الخيال! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

الفن مسألة تتعلق بالأذواق وبالتالي هناك انعدام للموضوعية في التقييم، لأن ما يراه أحدنا إسفافاً وفناً هابطاً يراه آخرون إبداعاً خلاقاً. ولعل الغناء هو الساحة الأكبر والأعرض والأهم التي يشاهَد فيها هذا التجاذب المستمر بين الجيد والرديء.

وحالياً، كما حصل من قبل، هناك حديث متزايد عن المقبول والمرفوض ذوقياً وفنياً في عوالم الغناء. فالغناء «الملتزم» و«الراقي» عُرفت عنه أبيات مثل «هل رأى الحب سكارى» و«سلوا كؤوس الطلا» و«ليالي الأنس في فيينا»، ولكنها في الفترة ذاتها جاءت «بشمّ الكوكاكيين» و«يا خارجة من باب الحمام وكل خد عليه خوخة»، مروراً بالانفجار الكبير «الطّشت قاللي» و«السح الدح امبو»، وصولاً لكوكتيل الفواكه «يا منعنع»، و«العنب»، و«البرتقال»، و«المانجا»، و«التفاح» و«دورها دور». هذه مجرد عينات من العناوين الصادمة التي أُنتجت عبر السنين المختلفة، وكانت لها ردود فعل ما بين العنيفة والمذهلة وبين القبول التام.




ما أثبتته الأيام أن مناخ الإبداع والفنون مرتبط بشكل حيوي وأساسي، ولا تقوم منظومة الثقافة بإجمالها إلا على قواعد الحرية. ولكن البضاعة «السيئة» لا تتشكل ولا يحصل لها القبول الشعبي العريض إلا في حالة غياب حقيقي للمنتج الجيد كبديل. إنها مسألة عرض وطلب بكل بساطة. والحظر والمنع لا يفيد أبداً، بل يزيد من الإقبال على المنتج المحظور والممنوع.

والحل هو برفع الذائقة العامة بتقديم الفن الراقي البعيد عن تمجيد العنف والعنصرية والحكم المسبق على الخير ورفع قيم الجمال والإبداع والتعايش والتسامح والرقي. المشوار الثقافي أساسه الحرية والمساحة المضمونة لها حتى لا يكون هناك سقف منخفض لا يتسع لأحد ولا يسمح لأحد.

الدولة في هذه الحالة مطالَبة بأن تكون موضوعية، راعية للثقافة وحامية للإبداع، ما دامت لم تكن هناك مخالفة صريحة لنص قانوني واضح ولا يقبل التأويل. الثقافة مفهوم شمولي ومتسع، يجب أن يتسع للجميع وليس لأحد أو فئة بعينها. العالم العربي غالبية سكانه من الشباب وهم بالتالي صناع المستقبل، وعليه سيكون من الظلم البيّن الحكم المسبق على إبداعهم من منظورنا القديم والمختلف.

زكّوا الثقافة بالحرية واحرسوها بالقانون ودعوا الخيال يحلّق وينطلق. تضييق الخيال هو القاتل الحقيقي للحلم والأمل. هناك العديد من النماذج المعروفة حول العالم التي مرت بنفس التجارب فيما سبق بين المنع والسماح، وثبت قطعياً أن الحرية والقانون كِفّتا الميزان اللتان تحققان التوازن المطلوب لأجل مجتمع مبدع وسويّ.