//Put this in the section

هل تصحّ مقارنة أزمة لبنان بأزمة اليونان؟

خلال زيارته لبنان على طريق التحضير لقمّة ثلاثيّة تضمّ بيروت ونيقوسيا وأثينا، عرض وزير الخارجيّة اليونانيّ نيكوس دندياس منذ ثلاثة أيام تجربة بلاده مع الأزمة الماليّة الصعبة والطويلة التي مرّت بها البلاد طوال ما لا يقلّ عن عقد من الزمن. سارت اليونان نحو الأزمة منذ مطلع الألفيّة.

تسلسل زمنيّ*




قدّمت اليونان أرقاماً مغلوطة للانضمام إلى منطقة الأورو حيث اشترط الاتّحاد على أيّ دولة ترغب بالانضمام إليها أن يكون عجز موازنتها أقلّ من 3% والتضخمّ أقل من 1.5% ونسبة دينها إلى الناتج المحلّيّ الإجماليّ أدنى من 60%. لكنّ نسبة الدين تخطّت 100% من الناتج كما تخطّى عجز الموازنة 3% بفارق كبير.

فاقمت الألعاب الأولمبيّة التي استضافتها اليونان صيف 2004 أزمتها مع تكلفة قاربت 11.6 مليار دولار فارتفع العجز إلى 6.1% ونسبة الدين إلى الناتج المحلّيّ 110.6%. وبمرور السنوات تضاعف الخوف من عدم قدرة اليونان على سداد دينها حتى وصل الأمر سنة 2008 و 2009 إلى تخفيض وكالات “فيتش” و “ستاندرد أند بورز” التصنيف الائتمانيّ لليونان. وتزامن كلّ ذلك مع الأزمة الماليّة العالميّة.

في 2010، وافق صندوق النقد والاتّحاد الأوروبي والبنك المركزيّ الأوروبّيّ على 110 مليار أورو (146 مليار دولار) كحزمة إنقاذيّة بعد أسبوعين على طلب الحكومة. كانت تلك الحزمة الأولى في مقابل إجراءات تقشّفيّة مضافة إلى تلك التي بدأت أثينا تطبّقها منذ سنة 2008. وجاءت الحزمة الثانية في 2012 بقيمة 130 مليار أورو (172 مليار دولار) شاملة شطب 53.5% من ديون حملة السندات مقابل تعهّد الحكومة خفض نسبة دينها إلى الناتج المحلّيّ من 160% إلى 124% بحلول 2020.

ارتفعت البطالة في كانون الثاني 2013 إلى 26.8% حيث كانت النسبة العليا في الاتّحاد الأوروبي. أمّا نسبة البطالة لدى الشباب فناهزت 60%. بدأت البلاد تشهد بعض التعافي سنة 2014، حين جمعت اليونان نحو 4 مليارات دولار من الأسواق الماليّة العالميّة في أوّل عمليّة بيع لسندات حكوميّة طويلة الأجل منذ أربع سنوات بحسب. لكن سرعان ما عادت الأمور إلى التدهور.

لم تستطع اليونان دفع 1.6 مليار أورو (1.7 مليار دولار) من الديون لصالح صندوق النقد الدوليّ حين انتهت خطّة الإنقاذ في 30 حزيران 2015 فأصبحت أول دولة متقدّمة تتخلّف عن السداد. وتفاقمت المشكلة في أوائل تمّوز بعد التصويت ب “لا” على الإجراءات التقشّفيّة الأمر الذي أدّى إلى مسارعة المواطنين لسحب ودائعهم من المصارف.

وأنهى البنك الأوروبّيّ المركزيّ التمويل الطارئ ممّا دفع إلى إقفال البنوك اليونانيّة وفرض السيطرة على حركة رؤوس الأموال أو Capital control. وتمّ تحديد السقف الأعلى للسحوبات بمقدار 60 أورو يوميّاً. لم تُرفع السيطرة عن حركة الرساميل إلّا في آب 2019. من جهته، وافق البنك المركزيّ الأوروبّيّ على إعادة رسملة المصارف اليونانيّة من 10 إلى 25 مليار أورو ممّا سمح لها بإعادة فتح أبوابها. وفي آب 2015، حصلت اليونان على القرض الثالث والأخير من الأوروبيين بقيمة 86 مليون أورو مع تخفيض إضافيّ للإنفاق.

وفي شباط 2018، رفعت وكالة “فيتش” تصنيف اليونان بعد النموّ الذي شهده اقتصادها إضافة إلى الاستقرار السياسيّ الذي كانت قد فقدته خلال السنوات العشر الماضية وخرجت من الحزمة الإنقاذيّة الثالثة في 20 آب من السنة نفسها. فمنذ 2010 حتى 2018، تعاقبت على السلطة أربع حكومات. وسادت التظاهرت والفوضى الشوارع اليونانيّة. بينما وافقت دول منطقة الأورو على تخفيف جدول سداد الديون في حزيران 2018.

تدين اليونان اليوم للاتّحاد الأوروبّي وصندوق النقد الدوليّ ب 330 مليار دولار. وقبلت أثينا بإقرار فائض في الموازنات حتى سنة 2060 والسماح بالرقابة الماليّة الأوروبّيّة مع فرض إجراءات تقشّفيّة. ورأى الاتّحاد أنّ حزمات الإنقاذ كانت ناجحة مع عودة النموّ إلى اليونان. وعلى الرغم من تراجع نسبة البطالة إلى 20%، تبقى هذه النسبة هي العليا في الاتّحاد. ويرى صندوق النقد أنّ الاقتصاد اليونانيّ الذي انكمش حوالي 25% منذ بداية الأزمة سيظلّ بحاجة لتخفيض الديون.

الإجراءات التقشّفيّة

قبلت اليونان بما فرضه الاتّحاد الأوروبّيّ من إجراءات تقشّفيّة خصوصاً بعد سنة 2014. شمل ذلك، الإصلاح الضريبيّ وإعادة تنظيم الوكالة الضريبيّة لتتمكّن من استهداف المتهرّبين من الدفع. وشمل التدقيق 1700 من كبار الأثرياء وأصحاب الأعمال الحرّة. وشملت الإجراءات تخفيض عدد المكاتب وتحديد أهداف أدائيّة على المديرين الوصول إليها. من جهة ثانية، تمّ تخفيض عدد الموظّفين الحكوميّين ب 150 ألفاً وتخفيض أجور بقيّتهم ب 17% وتقليص منافع التقاعد لأصحاب الرواتب التي تفوق 1200 يورو بما يتراوح بين 20 إلى 40%. ورُفعت الضرائب العقاريّة ب 3 إلى 16 يورو على المتر المربّع. ووافقت الحكومة على خصخصة أصول رسميّة بقيمة 35 مليار يورو في 2014 ووعدت ببيع 50 مليار أورو من الأصول بحلول 2015.

أسباب

كان حجم الإنقاذ هو الأكبر في التاريخ وقد ساوى تقريباً حجم الاقتصاد في دول مثل ماليزيا والدنمارك وهونغ كونغ أو حجم قيمة “بنك أوف أميركا” و “جاي بي مورغان”، وفقاً لمجلّة “كوارتز”.

من أبرز أسباب الأزمة، وفقاً لموقع “فوكس” أنّه بعد انضمام اليونان إلى منطقة الأورو، بدأ المستثمرون إقراضها بالنسب نفسها التي كانوا يقرضونها لألمانيا. وحين واجهت أثينا هذا المال الرخيص، بدأت الاستدانة ب “جنون”. وعندما لم يكن باستطاعتها دفع ديونها، تبيّن أنّ الأسواق الماليّة كانت مخطئة: ألمانيا ودول أخرى من منطقة الأورو لم تكن راغبة بإنقاذ اليونان بتلك البساطة، ممّا دفع السوق إلى الذعر سنة 2010 وارفعت الفوائد على الديون اليونانيّة بشكل كبير. هذا الأمر صعّب على اليونان الاقتراض ودفع قروضها في آن. والأسوأ أنّ الانكماش الاقتصاديّ اليونانيّ بين 2008 و 2014 ساوى الانكماش الاقتصاديّ الأميركيّ في فترة الكساد سنة 1929.

مقارنة

يعاني لبنان اليوم من نسبة دين مرتفعة جدّاً بالنسبة إلى الناتج المحلّيّ وتصل إلى حوالي 155%. ومن المتوقّع أن يعاني لبنان من نموّ سلبيّ (-0.2%) في 2020 فيما وصلت نسبة البطالة إلى 40% وقد تناهز 50% بين الشباب. وكما في اليونان، تمّ وضع سقوف للسحوبات اليوميّة تختلف باختلاف المصارف، لكنّ أعلاها بالكاد ساوى سقف السحب في اليونان (420 أورو في الأسبوع). ولم يعد ال “Haircut” أو اقتطاع جزء من الودائع حلّاً بعيداً بل بات الحديث عن نسبه والشرائح التي سيطالها.

وفي 2017، شكّل التهرّب الضريبيّ 10% من الناتج المحلّيّ الإجماليّ في لبنان، بينما حتى سنة 2016، كان معدّل ذلك التهرّب في اليونان، بين 6 و 9%. لكنّ الناتج المحلّيّ الإجماليّ لليونان بلغ 218 مليار دولار سنة 2018 مقابل 56 ملياراً للبنان. أمّا في ذروة الأزمة (2010)، فقد بلغ الناتج المحلّيّ الإجماليّ لليونان حوالي 300 مليار دولار و40 مليار دولار بالنسبة إلى الناتج المحلّيّ الإجماليّ. (حصّة الفرد اليونانيّ من الناتج 26 ألف دولار في مقابل 8000 للبنان سنة 2010).

عن صحّة المقارنة

هل يصعّب الفارق بين حجمي كلّ من الناتجين المحلّيين الإجماليّين المقارنة بين أزمتي اليونان ولبنان؟

باستثناء صعوبة المرحلة التي واجهتها الدولتان، لا وجود لنقاط مشتركة بينهما، بحسب الخبير الاقتصاديّ الدكتور روي بدارو الذي شرح في اتّصال هاتفيّ مع “النهار” نقاط الاختلاف الكثيرة بين لبنان واليونان.

فالموقع الجغرافيّ وانتماء اليونان للاتّحاد الأوروبّيّ وتداولها بالعملة الأوروبّيّة وقدراتها التصديريّة وإمكاناتها السياحيّة التي تجذب 30 مليون سائح سنويّاً إليها، هي عناصر تجعل اليونان مؤهّلة أكثر من لبنان لتخطّي الأزمة الماليّة. كذلك، لا تعاني اليونان من نظام محاصصة يسهّل تبادل الاتّهامات وإلقاء المسؤوليّات. وتتمتّع تلك البلاد بمركز قرار واحد بالنسبة إلى قراراتها الداخليّة والخارجيّة. يضاف إلى كلّ ذلك حجم اللجوء الفلسطينيّ والسوريّ الذي يساهم في جعل لبنان “حالة فريدة”.

ومن الناحية التقنيّة، ليست الأمور أسهل، كما يتابع بدارو. لكلّ دولة كوتا معيّنة في صندوق النقد الدوليّ تسمح لها باستدانة مبلغ معيّن. بإمكان لبنان حاليّاً الحصول على قرض بحوالي 900 مليون دولار. ومع افتراض إعطاء الصندوق لبنان خطّاً ائتمانيّاً إضافيّاً (line extension) يسمح السحب بين مرّتين إلى ثلاث مرّات، يصبح لبنان قادراً على استدانة حوالي 3 مليارات دولار وهو رقم بعيد من أن يكون كافياً لحلّ الأزمة.

يحتاج لبنان على الأقلّ إلى إنعاش الاقتصاد بما يساوي 20% من الدخل القوميّ أي حوالي 10 مليارات دولار بحسب بدارو الذي يؤكّد صعوبة الحصول على هذا المبلغ(exceptional access) من دون موافقة الولايات المتّحدة صاحبة الوزن الأكبر في قرارات صندوق النقد الدوليّ.

إذاً كيف السبيل للخروج من المأزق في ظلّ شبه استحالة سماح الولايات المتّحدة بإعطاء هذا المبلغ وربّما أقلّ إلى حكومة لم تبيّن سياساتها الداخليّة والخارجيّة؟

الخطوة الضروريّة

تبدأ الخطوة الأولى وفقاً لبدارو عبر دفع ال “أوروبوندز” في آذار ونيسان قبل الدخول في مرحلة إعادة هيكلة الدين بالتعاون مع المصارف الأجنبية المتخصّصة في تقديم الاستشارات الدوليّة. أمّا “الشعبوية القائمة على شعار ‘الحليب مقابل الدفع‘ فهي خاطئة وهدفها أن يستفيد أشخاص وكيانات ومجموعات من عدم الدفع.”

لكن على الدفع ألّا يكون عشوائيّاً بحسب الخبير نفسه، بل هنالك ضرورة لمقاربة دفع ال “أوروبوندز” على أنّه استثمار لبناء مستقبل واقتصاد جديدين. يقتضي هذا الاقتصاد إقرار موازنة جديدة ل 2020 مع سياسة ماليّة من دون عجز. ويتابع بدارو أنّه من دون نموّ، لا إمكانيّة لنهوض الاقتصاد ولإعادة هيكلة الديون، وهذا بدوره يحتاج إلى سياحة عربيّة وأوروبّيّة واستثمارات، مؤكّداً أنّ هذه العناصر لا تتأمّن إذا كان هنالك سلاح خارج عن نطاق الدولة. ويرى بدارو أنّه يمكن “حزب الله” إيجاد مفتاح النموّ للبنان عبر صيغ عدّة يختار تلك التي يرتاح إليها بعد الحوار مع الدولة اللبنانيّة.

درس من اليونان؟

تشكّل الأزمة اليونانيّة نموذجاً عن صعوبة خروج أيّ دولة من أزمة ماليّة واقتصاديّة طويلة المدى. حقّقت اليونان العديد من المؤشّرات الإيجابيّة مثل رفع وكالة “ستاندرد أند بورز” تصنيف البلاد في تشرين الثاني درجة واحدة كما أصدرت في آذار سندات حكوميّة لعشر سنوات أدخلت 1.5 مليار أورو إلى الخزينة من فائدة 1.5% فقط. وذكر معهد “بروكينغز” أنّ نسبة السياحة ارتفعت أيضاً وأصدرت اليونان موزانة 2020 بنموّ وصل إلى 2.8%. لكنّ ذلك لا ينفي وفقاً للمعهد نفسه وجود مؤشّرات سلبيّة تمنع قول إنّ البلاد خرجت من أزمتها كتوقّع صندوق النقد انخفاض النموّ إلى 0.9% سنة 2023 وما بعد، وغياب الإصلاحات في القطاعات الصحّيّة والتعليميّة وغيرها. ولا تزال نسبة هجرة الأدمغة كبيرة أيضاً ممّا يزيد الخلل الديموغرافيّ، وهو عامل سلبيّ آخر بالنسبة إلى مستقبل البلاد.

على اللبنانيّين توقّع صعوبات أكبر على الأرجح. فلبنان غير منتمٍ إلى نادي الاتّحاد الأوروبّي كما أنّ علاقاته مع محيطه العربيّ ليست بأفضل أحوالها. والانقسامات والمحاصصات السياسيّة والطائفيّة وتبعثرُ مراكز القرار هي عبءٌ إضافيّ على كاهل دولة مترهّلة تعجز عن اتّخاذ موقف سريع وواضح حول موضوع تقنيّ بحت كدفع “الأوروبوندز”. النفق طويل ويبدو أنّ لبنان لا يزال في بدايته.

المصدر: النهار