//Put this in the section

عن لبنان الذي راح! – الياس الديري – النهار

بادرني بسؤال جمَّدني في أرضي: هل المطلوب رأس لبنان، أو رأس النظام، أو مجرّد رأس المال، أو الرؤوس كافة؟ أم أن بوسطة عين الرمّانة استُبدلت ببوسطة المليارات، وفي سبيل التاج؟ أم لتحلَّ دولة مبعَّدة محل دولة مقرَّبة؟

الوضع اللبناني يصحّ فيه القول أيّاً يكن فحواه، أو هواه، أو هدفه، ولكن، حِتَّه واحدة يا بيه؟ على سبيل المثال. في كل حال، لست أدري إلى أين يأخذون هذا اللبنان، ولأي لبنان يُخطِّطون. فلننتظر ثمّ نرى…




تدحرج لبنان الاقتصادي، المالي، السياسي، الاجتماعي، الدولي، المعنوي، وإلى هذا القدر؟ وبعد مرحلة تعميم الزبالة سهولاً وجبالاً وأودية وأنهراً وشواطئ وفي الشوارع وبين المنازل، وتاه الناس معه.

وكيف كان ذلك، ولأيّة غايات تغافلت السلطة والمسؤولون والمعنيّون عن كل ما حدث؟ وإلى أين الآن بعد السقوط المالي الكامل والشامل، كأنّ شيئاً لم يكن؟ بل كأنّ لبنان لم يكن؟ المسؤولون مرتاحون وبأربع وعشرين كيفيّة، ونبَّاعة ملايين الكهرباء صامدة صمود عنتر في ساحة الوغى.

نسمع، ونقرأ، ويترامى إلينا أنّ المسألة أكبر بكثير ممّا تبدو من خلال الرجفة الماليّة. فتّشوا عن الفاعل، عن الفاعلين. فتِّشوا عن الأهداف والدوافع الحقيقيّة. فتِّشوا عن الذين جعلوا لبنان ينهار كلّه دفعة واحدة، وعلى مختلف الصعد. هكذا، يمكن القول: لبنان الذي كان قد راح، والآن؟

الإنفجار المالي، الذي أعقب عمليّات تفريغ البلد من كل مميّزاته السياحيَّة والجذَّابة، دخل البيوت الواسعة والضيَّقة، وراح يُفتِّش في الجيوب. وهذا إنجاز كبير بالنسبة إلى مُحبّي تخريب لبنان. المرحلة الأولى تمّت بنجاح، عال العال، ثمّ…

والتمهيد بالفراغ الرئاسي لعامين ونصف الثالث لم يكن سببه عدم الاتفاق على رئيس جديد للجمهوريّة، بل كان برسم جميع الفئات. وخصوصاً الفئة المعنيّة مباشرة بكرسي الرئاسة. إلّا أنّ أحداً لم يكلِّف نفسه طرح أيّ سؤال عن تجربة تفريغيَّة بهذا المستوى، وطوال هذه المدّة. ولم الانزعاج، ما دامت الدولة مزرعة، والمزرعة دولة؟

أصحاب المصلحة والتجربة وصلتهم حقوقهم، فتشجَّعوا للإقدام على ما هو أعمق، وأشدُّ وطأة، وثلاثة أعوام ونصف الرابع من ولاية العهد الحالي طمأنتهم مئة في المئة. فكان دور الحكومة قد حلَّ موعده، ومعه موعد الإنهيار التاريخي الذي كان جداره هو الحارس الواقي للنظام اللبناني. وللتركيبة اللبنانيّة. وللميثاق الوطني. وللديموقراطيّة البرلمانيّة والحريّة الكاملة في شتّى الحقول والميادين. لقد حصل.

بماذا يفيد التهرُّب من الواقع وأبعاد الوقائع في بحر المصائب؟ فتِّشوا عن الفاعل. عن الأهداف. عن الأبعاد. لبنان كلّه، بكل ما بقي منه انهار في لحظة خاطفة. تطلَّعنا صوب الشرق والغرب، صوب البحار والجبال، فلم نجد سوى فراغ الفضاء.

يُقال لنا يوميّاً، ومباشرة، إن انهيار لبنان الدولة والمؤسَّسات والمليارات مع الملايين والفراطة أيضاً لم يكن نتيجة هزّة جارفة، أو زلزال مفاجئ، أو حرب ضروس. إنّه نتيجة خطّة مدروسة، طبّقت على مراحل، وبدقّة مُتناهية. وها هم اللبنانيّون، مسؤولين ومواطنين عاديّين، يحصدون نتائج وثمار استهتارهم. لقد كانت المصالح الشخصانيّة هي الأبدى دائماً. ولا تزال. وستبقى إلى أن يتمّ ما جاء في الكتب.

التجاهل الفاضح لعواصف الزبالة، وكسّارات رؤوس الجبال، وتدفُّق الفضلات على الأنهر وسهول الزراعة، وحقول الزيتون والليمون، وكل أنواع الفاكهة، كان امتحاناً ونجح. ولألف ليلة وليلة تتمّة.