//Put this in the section

البلد كلّه غلط! – الياس الديري – النهار

تلقّيت اتصالاً هاتفيّاً من شخص حدّثني عن مقال سابق، وباختصار قال لي: لا تتعب حالك، البلد كلّه غلط…

دائماً وأبداً، ومن زمان الوصل بالإندلس، إلى زمن بوسطة عين الرمّانة التي سدلت الستارة السوداء على “لبنان الأخضر”، ولبنان الرسالة، ولبنان القضايا العربيَّة، من تلك الأزمنة التي تمرُّ بحرب صيف 1957، وثمّة سؤال كبير يُطرح ولا يزال هو: لبنان إلى أين؟




ماذا تريد، البلد كلّه غلط.

في أيّام الازدهار، والانتشار، والسهر، ليل نهار، والحرتقات تدقّ أبواب المسؤولين والمتزعِّمين عند أوّل منعطف مفاجئ. سواءً أكان داخل الوطن الصغير، أم قريباً منه. فجأة تقوم القيامة. فجأة تنزل الأزمة إلى الشوارع والأسواق.

منذ العام 1948، حين أنزلت سوريا أخشاب الحدود والمداخل بينها وبين لبنان، ولأسباب غير واضحة. بل قيل يومها إنّ الصراع على السلطة بين بعض الزعماء السوريّين دفع الأخشاب للمرّة الأولى كعلامة لقطع العلاقات مع لبنان عبر المداخل.

وحدث بهذا الحجم كان يقرِّب الفاعل من كرسي رئاسة الجمهوريّة ويبعد منافسه عنها. ومن البديهي أن تصبّ الذيول الأولى للقضيّة الفلسطينيّة في الساحات اللبنانيّة، وأن تُصبح بدورها الوسيلة الأساسيَّة في حقل المنافسات السياسيَّة…

ثمّ الحروب التي رافقت البدايات، واستمرّت ذيولها في إنتاج انقلابات عسكريّة تُصادر السلطات وتتولّى الأحكام، ومن حول لبنان وحواليه. ثمّ في كل شاردة وواردة بين إيران وهذه الدولة العربيَّة أو تلك. حصّة لبنان يجب أن تكون جاهزة، ومن البديهي أن تكون الأكبر، ومن تحصيل الحاصل أن تفلح الوضع السياسي في لبنان من أعلى إلى أسفل.

وهو اليوم، أي لبنان المعتَّر، في قبضة هذا الوضع بالذات، فيما يُقضى عليه ما يُقضى عادة على المرء في أيّام محنته. وهو بريء لا ذنب له. لكنَّ عدم وجود سلطة لبنانيَّة فعَّالة، وعدم وجود دولة لبنانيّة مُقتدرة وساهرة على المصلحة الوطنيّة يؤدّي طبيعيّاً إلى ما أُصيب به لبنان في هذه المرحلة التي لم يعرف مثلها، ولا حتّى خلال أزمنة الحروب المُعقَّدة.

من هذا المُنطلق، واستناداً إلى ما كان يحصل في السابق، وما صارت إليه اليوم أوضاع لبنان، فضلاً عن السقوط المالي والاقتصادي المريع والدوّي، والذي سرق كل الآمال التي كان لبنان المقيم ولبنان المهاجر يبنيانها على احتمالات العودة للوطن وللمواطنين، من هذه العوامل كان النداء إلى المرجع الكبير السيّد حسن نصرالله.

ازدهار الهرب واللجوء إلى طائرات الهجرة ما كان بلغ هذه الحدود، وهذه الأعداد، وهذا اليأس، وهذا البؤس، وهذا الضياع، وهذا التفكُّك للدولة في كل الميادين والمؤسَّسات والحقول، لو كان للدولة وجود فعَّال. ولو كان للسلطة دورها الكبير بالنسبة إلى رعاية تطبيق القوانين.

بلد مشرَّع يتحدَّث فيه المسؤولون عن الفساد، والفاسدين كما لو أنَّهم يتحدَّثون عن سهرة كانت لطيفة، أو عن عشاء كان ناجحاً، أو عن زيارة لمسؤولين أجانب حصدت المزيد من الابتسامات وهزّ الرؤوس.

مَنْ يستطيع من هؤلاء أن يقف اليوم، وبعد هذا الجبل من الفضائح، ويُعلن كيف حصل الإفلاس؟ ولماذا؟ ومَنْ هم المسؤولون عمّا حصل، وأينهم؟ بل أين المال العام والخاص؟ بل أين الدولة؟ فالمطلوب دولة. لكن البلد كلّه غلط…