//Put this in the section

لماذا التقاعس عن دراسة إمكانات إشراك الصين في تجاوز الأزمة – مروان اسكندر – النهار

لا تزال الحكومة مترددة في الخطوات المطلوبة لتجاوز نتائج الأزمة وتأثيراتها على تطلعات الشباب اللبناني والمستقبل الاقتصادي والثقافي للبنان وأهله.

ان الأزمة التي نعيشها سياسية واقتصادية. فموقع لبنان بمقاييس الحضارة والنظافة والانجاز بات مترديًا وكيف يكون غير ذلك مع اهمال شؤون البيئة وتوافر نظافة المياه وتلوث الجو واعناق اختناق السير وتقطع الكهرباء ولا انجاز خلال ثلاث سنوات ونصف من هذا العهد سوى جسرين بسيطين في منطقة جل الديب.




أصبح من المعروف لكل مراقب مهتم ومدرك ان الأزمة المصرفية المتصاعدة الوتيرة بسبب ممارسات لجمعية المصارف تناقض القانون ومستوجبات تنشيط الاقتصاد وتصادر بالفعل موارد مالية (الحسابات المجمدة لفترة) وهي الحسابات الجارية ومجموع الكتلتين يفوق حجم الاقتصاد الكلي اضعافًا مضاعفة والتقطير الذي نشهده والذي يبرره بعض المصرفيين بأنه ضروري للحفاظ على المصارف هو الطريق الأكيد لتقزيم الدورة الاقتصادية ومواجهة انتقاص في الدخل القومي لن يقل عن نسبة 20 في المئة. وهنالك خبراء مصرفيون تعاطوا العمل المصرفي مع بعض أفضل المصارف الدولية يعتبرون ان الممارسة الجارية ان استمرت وارتفعت الحسومات على السحب من الحسابات الجارية وعند الاستحقاقات من الحسابات المجمدة ستؤدي الى تقلص الدخل القائم بنسبة 40 في المئة وحينئذٍ سترتفع نسبة العاطلين عن العمل الى مستوى يتجاوز من يحظون بفرص عمل.

لنأخذ مثلاً مؤكداً يتمثل في منع شركة طيران الشرق الاوسط من تقاضي أجور السفر بالدولار أو العملات الاجنبية وحصر اصدار البطاقات بالليرة اللبنانية لأن الشركة لبنانية. ان هذا القرار يتناقض مع دور الشركة لأن تجهيزاتها، أي الطائرات العاملة والمتعاقد عليها، هي بالدولار أو اليورو، ونفقاتها الجارية على بنزين الطائرات أينما حطت هو بالدولار، والتأخر عن تسديد القروض بالدولار لشراء الطائرات، أو تزود بنزين الطائرات يعني ان على الشركة اختصار رحلاتها وتالياً تكبد خسائر كبيرة. وجدير بالذكر ان هذه الشركة بالذات متعولمة سواء على صعيد المطارات التي تقصدها أو المعدات التي تتقاعد على شرائها.

طيران الشرق الأوسط التي يملكها من مصرف لبنان كانت توفر ربحًا سنويًا يفوق الـ50 مليون دولار للخزينة وكان في الإمكان توقع استقطاب شركات طيران كبرى للاشتراك في ملكيتها، والربح سيتبخر كما فرص اشراك شركات طيران كبرى تسهم في تأمين العملات الأجنبية وتوسع نشاط الشركة.

اذا تجاوزنا موضوع طيران الشرق الأوسط وقوّمنا تأثير التقييد في تامين اموال المودعين، نرى ان هذا التقطير سيؤدي الى اختصار نفقات المحافظة على مستوى المعيشة سواء كان ذلك للإيجارات، أو شراء المأكولات والملابس، أو استعمال السيارات، وستتوسع رقعة التأخير عن سداد القروض المصرفية، على رغم تحسن بسيط نتج من اندفاع أصحاب الحسابات إلى شراء الأراضي والشقق ما داموا قادرين على إجراء شيكات للاستعمال الداخلي في لبنان. وانخفاض التكاليف الجارية وكذلك انخفاض المداخيل بسبب تسريحات الموظفين سيؤدي الى اقتصاد لا يتجاوز حجمه 60 في المئة مما كان عليه، علمًا بأن سني هذا العهد لم تشهد أي نمو في الدخل القومي حتى تاريخه.

إذا شئنا اختصار الصورة المستقبلية مع حلول الربيع وما يبعثه من تفاؤل لدى اللبنانيين، يمكننا القول إن زيادة كميات العملات الأجنبية ستكون مرتبطة بتحويلات كتلة اللبنانيين العاملين في الخارج، ولا شك في أن هؤلاء الذين كانوا يحولون عبر المصارف سبعة مليارات دولار يضاف اليها مليار في ما يحملون معهم، يمكن ان تزيد ملياري دولار لأن اللبنانيين العاملين في افريقيا ودول الخليج العربي يدركون ما تعنيه ندرة القدرة على كفاية حياة ذات مستوى مقبول في لبنان.

بالمقارنة مع التحويلات الاسرية، لا بد من التأكيد ان التحويلات المصرفية ستتدنى علمًا بأن التعليمات الجديدة تقضي بتسلم المنتفع المبالغ المحولة بالعملات، والانصراف عن التعامل مع المصارف سيتعزز بامتناع الناس عن ايداع مدخراتهم وما يتوافر لهم هذه المصارف لانهم يعلمون مدى تجاوزها للأنظمة التي كان معمولاً بها، والتي يتم التغاضي عنها حماية لمصالحها، وكأن هذه المهنة تحتاج إلى حماية تتجاوز تأمين التصدي للسرقات بالاعتداء المسلح.

استقطاب الودائع لن يكون النشاط المجدي للمصارف اللبنانية سواء في لبنان أو الخارج، وهذا الضرر الكبير كان في الامكان تفاديه لو حظيت الجمعية بقيادة أكثر تفهمًا لمقتضيات العمل الاقتصادي والاقتراض وتأمين مستحقات المودعين في أوقاتها ودون انتقاص كما يحصل اليوم.

لا يمكن توقع ايداعات ملحوظة من لبنانيين أو عرب في المصارف اللبنانية. فهذا القطاع الذي كان يبدو حتى نهاية الصيف (عام 2019) متينًا لم يعد كذلك وان تكن هناك ثلاثة أو أربعة مصارف تتمتع بالسيولة المطلوبة والمقنعة وبادارة جيدة، وهذه المصارف بينها مصرف كبير ومصرفان متوسطا الحجم.

أمل لبنان في تجاوز الأزمة محصور في امكان استقطاب اهتمام إحدى الدول الصناعية المتمتعة بفوائض ملحوظة وقدرات تطبيقية الكترونية حديثة، والبلد الذي يتمتع بهذه الخصائص ورغبة قوية في تقوية نشاطاته في منطقة الشرق الأوسط هو الصين التي تعاني حاليًا معالجة مرض خطير منتشر، لكن قدراتها المالية والتصنيعية هائلة ورغبتها في تركيز دورها الاقتصادي والسياسي في الشرق الاوسط واضحة. لذلك نقول للحكومة باشروا المحادثات مع الصين عبر سفيرها في لبنان الذي يتقن العربية وهو مقتنع بخطة تنفيذ “طريق الحرير”.

نلفت المسؤولين الى ان احتياط الصين من العملات يتجاوز الـ1400 مليار دولار، وان مخصصات تحقيق تطوير “طريق الحرير” تتجاوز الـ120 مليار دولار، وليس أدل على قدرات الصين من النبأ الذي تصدر جريدة “الفايننشال تايمس” التي توافرت منذ 15/2/2020.

النبأ يشير الى ان الصين عرضت على بريطانيا انجاز خط حديد الكتروني يربط البلدان الرئيسية في بريطانيا، ورئيس الوزراء البريطاني كان قد اطلق المشروع قبل أيام ودعا الشركات القادرة إلى تقديم اقتراحاتها لإنجاز الخطوط بقيمة 105 مليارات جنيه (أي 140 مليار دولار) خلال 12 سنة، واذا بالصين تتقدّم بعرض لإنجاز المشروع الذي يعوّل عليه رئيس الوزراء البريطاني الذي خالف التوصيات الأميركية بعدم التعاون مع الصين، وذلك بقيمة 50 مليار جنيه (أي أقل من 50 في المئة من التقدير الأولي) وانجاز العمل خلال خمس سنوات بدل 12 سنة مفترضة.

بالطبع الخط الحديد الكهربائي في بريطانيا يكلف بحسب تقديرات رئيس وزرائها أكثر من ضعفي الدخل القومي اللبناني، وما يسهل على الصين في بريطانيا تستطيع تحقيق ما يماثله أهمية في لبنان خلال سنتين على الأكثر.