//Put this in the section
سمير عطا الله

حكاية سيارة ”أوبل” – سمير عطاالله – النهار

“ثّمة أخطار ثلاثة: الطائفية والماعز والسياسة،

لأّنها تأكل الأخضر واليابس”.




واصا باشا

بعد ظهر الخميس الفائت، كنت على موعد في مقهى الـ”روسا” مع الصديقين الياس خوري وشوقي بزيع. و”روسا”، لمن لا يعرف من قدامى المقاهي، هو الـ”كوستا” سابقاً والـ”هورس شو” بداية. وصلت مبكّراً وغريباً، وفي ارتباك اتّخذت مقعداً على الطرف الشمالي من الرصيف بعد غياب ما يزيد على أربعين عاماً عن مقهى الهوى والشباب، وهي المدّة التي غابها “مهاجر بريسبان” في مسرحية جورج شحادة. وفي لغة اليوم، يُعرف المهاجر أو المغترب بالـ”منتشر”، مثل الذباب وكورونا والهواء الأصفر.

جلست أنتظر الصديقين، أو نادلاً، أطلب منه فنجان قهوة. تأخّر المواعدان ولم يأتِ النادل. ولمّا وصلا فهمت منهما أنّنا في “لبنان الجديد”، والـ”هورس شو”، ذكرى في مفكّرة نزيه خاطر. لم يعد يستقبلك الـ”ميتر ميشال” ويناقشك في سياسة الحكومة وملاحظاته على “النهار”. الآن تذهب بنفسك إلى البار وتحمل قهوتك وتتأمّل، ليس فقط لبنان الجديد، بل أيضاً “الشرق الأوسط الجديد”، كما حدّثنا عنه الجنرال كولن باول أو المسز كوندوليزا رايس والله أعلم.

في الشارع المقابل، على المفرق المؤدّي إلى الجامعة، مشهد مؤثّر ومحيّر معاً. سيّدة تقتعد الرصيف ومعها ثلاث طفلات، ولا واحدة منهنّ بلغت الرابعة. إنه “الشرق الأوسط الجديد”: أمّهات وأطفال في الشوارع والمخيّمات، من فقش الموج إلى مرمى الثلج. الكثير منه، هذا الشتاء. وعلى مدى الشرق الأوسط القديم، وصولاً إلى بلاد الأناضول.

أمّا وجه الحيرة في حالة هذه السيّدة (أو وضعها)، فكيف تغزل، وكيف تحمل، وكيف تلد، وكيف تصل إلى مقرّ عملها وعيشها في الحمراء. يبدو هذا المشهد اليومي أقلّ ألماً على التلفزيونات، مجرّد فيلم عربي طويل، وبلا نهاية. أمّا هنا، فيبدو شارل أزنافور على حقّ وهو يغنّي “البؤس أقلّ ألماً في الشمس”. الخميس كان مشمساً.

لماذا “ألماً” لا “وجعاً”؟ لأنّ الأخيرة تشرشحت من كثرة الاستعمال. لم يبقَ أحد لم يقل لضحايا السلطة السياسية إنّه “يشعر معهم في أوجاعهم”، ولم يجرؤ واحد على الاعتراف بدوره في صنع الأوجاع والآلام والمرارات والخوف وزرع ثقافة الانتحار. تلك هي الحالة القصوى التي وضعها المتنبي قبل ألف عام: كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً.

أحرق أيان بالاخ نفسه العام 1968 في براغ من أجل الحرّية. وأحرق محمد البو عزيزي نفسه في سيدي بو سعيد من أجل غلّة الفواكه لعائلته. ولم نصدّق أنّ جورج زريق سوف يحرق نفسه في بلد العلم والنور من أجل قسط أبنائه. ولا سائر المنتحرين الذين لم يجدوا حبراً آخر يكتبون به إلى السلطة. شهداء الفقر والسذاجة. فمتى كانت السلطة تقرأ؟ السلطة تملي. والسلطة تلوم الناس على غباوتهم، لأنّهم لم يدركوا ذلك حتى الآن. وللعُلى وللعلم.

بدل أن تلمّ السلطة السياسية الحجارة المتساقطة من بناء الدولة، لتعيدها إلى زواياها، ترشق بها الناس والشاكين والخائفين. وقد دخل السياسيون شركاء مضاربين في لغة التفه والسفه. والسباق الوحيد الذي انضمّوا إليه هو سباق الشتم والسبّ والاستضعاف. والتهديد مثل الغانغسترية. لم نعد نعرف كيف نسدّ أبواب الهجرة. أسوأ ظواهرها الآن، تكاثرها في صفوف أرقى الأسَر اللبنانية، الأرمن. صحيح أنّهم “يعودون” إلى أرمينيا وأرارات والبلاد التي تبدّلت عليها الأزمنة، لكنّهم بالنسبة إلينا، يرحلون. يفرغون لبنان من مجموعة، هي الأكثر نشاطاً وكبرياءً وحفاظاً على القانون. هذه ظاهرة مؤسفة.

الأرمن أساتذة في حبّ الوطن الأمّ، وفي الوفاء للأوطان المضيفة. خسارتهم مضاعفة. خسارة النموذج، لا السائد. تحدث هذه الانهيارات العميقة في نسيج لبنان، بسبب حالة المرض النفسي التي تضرب مكوّناته. لم نمرّ في مثل هذه الكآبة ومثل هذا اليأس. وتحمل حالة السأم هذه عدداً من المفكّرين وكبار الصحافيين على الدعوة إلى النزوح مرّة أخرى نحو “الهرب الكبير”. ويُسمّى بكلّ خفر، مرّة اللامركزية ومرّة الفيديرالية ومرّات لا يُسمّى لشدّة ما يُستحى به، وما هو فكرة مريعة التصوّر: في السعي وفي النتائج. هل يمكن بعض المنفّرين وسيّئي السلوك أن يدفعوا الناس إلى الهجرة مرّة أخرى؟ اللامركزية ليست حلّاً. ولا الفيديرالية. ولا باختصار، التقسيم: مشكلة المسيحيين الكبرى هي بين المسيحيين، وكذلك مشكلة المسلمين. ومشكلة الجميع هي في طبقة سياسية عاقر، لم تستطع أن تكرّر أهل الفكر والخُلق وذلك النمط المذهل من رجال الدولة: سنوات طويلة كنّا نشاهد بيار الجميّل يقود سياراته بنفسه والأمير خالد شهاب يركب الترام.

يقول الزميل العزيز حكمة أبو زيد، مستشار رؤساء الحكومات طوال 31 عاماً، إنّ رشيد كرامي كان يركب سيارة عادية متحاشياً التنقّل في سيارة رئاسة الحكومة: “كان وظلّ حتى استشهاده، لا يستعمل السيارة رقم 3 ولا يرفع العلم اللبناني على سارية السيارة التي يستعملها، وكان يتوقّف عند الضوء الأحمر، والويل لسائقه إذا خالف قانون السير”.(1)

العودة إلى فكرة “التقسيم”، الناعم هذه المرّة، فيها دواعٍ أو دوافع موضوعية، وفيها خطأ كبير. أيّ تغيّر للنظام يستدعي، حكماً، تدخّل دولة كبرى أو أكثر. البديل هو تطوير النظام، لا تغييره. والتوافق الدائم على سياسة خارجية تتماشى مع تطلّعات اللبنانيين ومصلحة لبنان. وأيضاً سياسة داخلية غير خاضعة لأمزجة الزعامات العابرة. بدل التفكير في تفكيك الدولة لإصلاحها، لماذا لا نصلح مكامن الخلل؟ وأخشى أن يحصل لنا ما حصل لقريب لي، قرّر أن يتعلّم ميكانيك السيارات على كبر. وبفكرة لامعة (جدّاً) اشترى سيارة “أوبل” قديمة وأخذ يفكّكها قطعة قطعة ليعيد تركيبها من جديد. وهذا ما حدث بالفعل. لكنّه ما أن انتهى من عمله حتى اكتشف “بعض” الزيادات: زاد معه عدد البراغي وأزرار الواجهة وثلاث لمبات. وحجم دولاب اليمين. في المقدّم وفي – أكرمكم الله – ما يقابله.

التقسيم ليس حلّاً. هذا وطن وُلد قبل مائة عام لكي يكون إرادة واحدة وأنساباً شتّى. غِناه تعدّد الأنساب، ومحنته الخُلقية تضارب الإرادات. وهذا داء يعصف اليوم بالشرق ويرسل الأطفال والأمّهات في البراري والثلوج، جائعين. وليس مشهداً بهلوانياً أن ترى عائلة من ستّة على موتوسيكل واحد، هاربةً في عراءات إدلب إلى أيّ مكان فيه ثلج وليس فيه قصف ودبّابات. وهذا كلّ ما نراه في هذا الشرق منذ انقلاب حسني الزعيم: دبّابات ذاهبة ودبّابات آيبة ودبّابات عايبة. والنتيجة أنّ اللاجئين لم يعودوا فلسطينيين فقط والمخيّمات لم تعد فلسطينية فحسب، ووكالات الغوث أيضاً. حروب حروب وهزائم وكوارث وملايين البشر في الطرقات والبراري. لا مدارس ولا كتاب ولا طعام. ولا أمن. لكنّ السيادة محفوظة ولله الحمد.

ليس هذا وقت الفيديرالية فيما نرى طرابلس عائدة إلى لبنان وصيدا ترفع علَمه والمنشقّين يجاهرون بحبّه. هذا وقت الثورة من أجل وحدته على رغم أخطاء مائة عام. والثورة من أجل إقامة الدولة التي منع الفساد الأخلاقي إقامتها. وإلى الأرمن، يحزننا أن تهاجروا ولو إلى دياركم. إبقوا، فإنّ محنتنا لن تطول.

(1) رؤساء حكومات لبنان كما عرفتهم 31 سنة في السراي، حكمة أبو زيد، “دار النهار”.