//Put this in the section

أيّ أبعاد للمواجهة بين ”التيار” وحاكميّة المركزيّ؟

مجد بو مجاهد – النهار

البوصلة التي يحتكم الى استخدامها “التيار الوطني الحرّ” ورئيسه النائب جبران باسيل في الأيّام الأخيرة، من شأنها أن تثير هواجس جديّة لدى فئات واسعة من اللبنانيّين، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم، على خلفيّة القرار المتّخذ بالتظاهر أمام مصرف لبنان غداً الخميس. إذ تطرح خطوة من هذا النوع مؤشّرات استغراب وذهول لدى كثيرين في كونها طقساً “حزباللاتيّاً” مبتغى، راسمةً علامات تشكيك في صوابيّة البوصلة المُقتدى بها ودقّة اتّجاهاتها وصحيّتها ومدى انسجامها مع تطلّعات اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً المتشبّثين تاريخياً بسيادة لبنان وانفتاحه العربيّ والغربيّ، والمتمسّكين بنظامه الاقتصاديّ الحرّ.




تكبر الأسئلة حول الأسباب والأبعاد التي آلت إلى اتّخاذ خطوة كهذه، وثمّة أكثر من وجهة نظر متناقَلة في الفلك السياسيّ، خصوصاً أنّها خطوة لا تتناسب مع بُعد جوهريّ لاشكاليّة الأسباب الآيلة إلى الأزمة الاقتصادية وارتباطها الوثيق بالهيمنة الايرانيّة لبنانياً وما أنتجت من عقوبات وهجران عربيّ ودوليّ عن سماء لبنان، في رؤية أوساط سياسيّة، مع التشديد على أنّه لولا السيطرة الايرانيّة ومخلّفاتها، لكانت الأسواق مفتوحة ولم يكن لبنان ليكون معزولاً. ويلاحظ أن اللبنانيين باتوا على يقين أكبر بمكامن الخلل، وهذا ما يرشح من استطلاع زخم التعليقات المنتقدة على مواقع التواصل الاجتماعيّ، والمترافقة مع الاطلالة الأخيرة للأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله ودعوته إلى مقاطعة البضائع الأميركية، في وقت تنشط سوق صيرفة الدولار في الضاحية الجنوبية لبيروت. وهذا ما يدعو الى التساؤل: هل يتحرّر “الحزب” من الدولار الأميركيّ أوّلاً؟

وعليه، تصبّ تظاهرة الخميس، في رؤية الأوساط، في خانة تحويل أنظار الانتفاضة عن مسؤوليّة “الحزب” ومحوره في بناء الأفق المسدود الذي وصلت اليه الأوضاع اللبنانية، ومن شأنها أن تنفّس الضغط الذي يواجهه باسيل في تصويب قوى سياسيّة عدّة على ملف الكهرباء الذي تحوّل “معركة” يتقاطع فيها أكثر من مكوّن سياسيّ رئيسيّ في البلاد.

في شقٍّ آخر، ثمّة من يستقرىء مشهديّة الحراك البرتقالي باتجاه مصرف لبنان، على أنّها حلقة من فصول الصراع بين باسيل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. ويستعيد أحد الذين واكبوا العهد منذ انطلاقته، بدايات الصراع مشبّهاً إياه بـ”نار تحت الرماد”، معتبراً أن سلامة هو أحد وجوه قلاع محور الرابع عشر من آذار الرئيسيين الذي كان لا بدّ من ازاحته وتعيين حاكم من الحصّة العونيّة. ويعود المتحدّث الى حقبة “تفاهم معراب”، مشيراً الى أن باسيل كان يطمح الى تعيين كلٍّ من قائد الجيش والحاكم. وقد رست مسوّدة التعيينات على ثلاثة أسماء لقيادة الجيش، هي توالياً: الياس ساسين وجوزف عون وخليل الجميّل. واذ يقول إن باسيل كان يسعى الى تعيين ساسين، إلّا أن رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع وضع فيتو على اسمه لارتباط مرحلته بالحقبة السوريّة، وبلّغ اعتراضه إلى الرئيس ميشال عون عبر الوزير ملحم الرياشي. وما كان من عون وجعجع إلا أن اتفقا على تعيين القائد العماد جوزف عون الذي نال اجماعاً لبنانياً حول اسمه.

يعود الصراع اليوم إلى حاكمية مصرف لبنان، يتابع المصدر نفسه المواكب لانطلاقة العهد، إلا أن باسيل سيخسر المعركة، في رأيه، لجملة اعتبارات: أولها أن أحداً لا يمكنه اسقاط حاكم مصرف لبنان استناداً الى قانون النقد والتسليف، إلّا من خلال استقالته من منصبه. وثانيها أنّ سلامة عتيق وليس “ولدا”، وهو يعلم كيف يتعامل مع مواجهة من هذا النوع. وثالثها أنّ الحاكم يحظى بدعم متين من مكوّنات سياسية رئيسيّة، من وليد جنبلاط وسمير جعجع إلى سعد الحريري وسليمان فرنجيّة، وكلّ لأسبابه.

المعركة مع حاكمية مصرف لبنان، يؤكّدها “التيار الوطني الحرّ” الذي يعتبر أن قرار طيران الشرق الأوسط التسعير بالدولار كان خاطئا. واذ تمهّد مجالس التيار الى الوقفة الاحتجاجية الخميس، متعاملةً على “القطعة” مع الحاكم، تدعو الى تفعيل الاجتماعات لكلّ من يُعنى بالشأن الاقتصاديّ والنقديّ وعقد الاستشارات والاكباب على مناقشة الطروحات قبل اتخاذ أي قرار في موضوع “الاوروبوندز”. وتعزو مجالس “التيار” المعركة مع مصرف لبنان إلى ما تسميه المطالبة بالاجابة عن الكتاب الذي أصدره وزراء في “التيار الوطنيّ” حول الاموال المهرّبة الى الخارج. وينتقد “البرتقاليّ” المعركة القائمة راهناً حول ملف الكهرباء ويصنّفها في خانة المعركة السياسية غير التقنية.

لا يولي البعض اجتماعات اقتصاديّة من هذا النوع أهميّة طالما أن بيت القصيد يكمن في ضرورة اتخاذ لبنان اجراءات تساهم في نيل رضى المجتمع الدوليّ وازاحة العقوبات التي هي في طريقها الى ازدياد في قابل الأسابيع، وهنا الخلاص الحقيقيّ للبنان. ويستذكرون موقف الرئيس عون المشهود عشيّة استشهاد الرئيس رفيق الحريري ودعوته الى تنفيذ القرار 1559 بالقوّة إن لم يكن بالحسنى، وتأكيده أن الوقت حان ليعود الشعب الى أصالته. والسؤال في المقارنة بين حقبتي 14 شباط 2005 و17 تشرين الأوّل 2019: ألم يحن الوقت بعد ليعود “التيار الوطنيّ” إلى أصالته بعيداً من هذا التلاحم المخيّب مع “حزب الله”؟ وهل لا يزال أمامه متّسع من الوقت؟